والاختيار: ان يكون عاصم على بابه و"من" في موضع رفع على البدل من عاصم.
والتقدير: لا يعصم اليوم من امر الله الا الله.
ثم قال تعالى: وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج: أي: بين نوح، وابنه، فكان ابنه من المغرقين.
مِنْ أَمْرِ الله: وقف حسن، إن جعلت إلا من رحم الله استثناء، ليس من الأول، وليس من الأول، وليس بالبين لأنه لا بد للثاني أن يكون فيه سبب من الأول.
إِلاَّ مَن رَّحِمَ. وقف.
قوله: وَقِيلَ يا أرض ابلعي مَآءَكِ إلى قوله أَكُن مِّنَ الخاسرين.
المعنى: يا أرض اشربي ما عليك من الماء.
وياسمآء أَقْلِعِي: لا تمطري. وَغِيضَ المآء: أي: نَقُص جعل
الله تعالى، في الأرض والسماء تمييزاً، وقيل: هو مجاز.
وَقُضِيَ الأمر: أي: بهلاكهم، واستوت عَلَى الجودي: أي: استقرت السفينة على الجودي، وهو جبل بناحية الموصل، أو الجزيرة. وَقِيلَ بُعْداً: أي: وقال الله بعداً.
وقيل: المعنى: وقال نوح ومن معه بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين: أي: أبعدهم الله من رحمته.
وروي عن النبي ﷺ، أنه قال: ركب نوح السفينة في أول يوم من رجب، فصام هو ومن معه، وجرت السفينة ستة أشهر. فانتهى ذلك إلى المحرم، فأرست على الجودي يوم عاشوراء فصام نوح وأمر من معه من الوحش، فصاموا شكراً لله تعالى.
وروي أن السفينة مرت بالبيت، فطافت به أسبوعاً.
وفي الجودي لغتان: تشديد الياء، وتخفيفها. فمن شدد جمعه على جوادي، ومن خفف جمع على جوادٍ، مثل جوارٍ.
(على الجودي): وقف عند أبي حاتم، وليس كذلك، لأن (وقيل): عطف على واستوت.
ثم قال تعالى: وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي: أي: إنك وعدتني أن تنجيَ أهلي، وابني منهم.
وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق: أي: الذي لا خلف فيه، وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين أي: فاحكم لي (بأن تفي) بما وعدتني.
قال الله له: يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ: أي: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم.
وقال الحسن: لم يكن ابنه، وكان يحلف أنه ما كان ابنه. فمعنى: لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ: أي: ليس بابن لك، إنما هو ابن امرأته وقال عكرمة، هو ابنه، ولكن على غير دينه، وإنما وعده الله تعالى، أن ينجيَ أهله المؤمنين به. فمعنى لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ: ليس من أهل دينك.
ثم قال تعالى: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ: أي: إن سؤالك يا نوح إياي أن أنجي مشركاً عملٌ منك غير صالح.
وقيل: المعنى: إن الذي سألت أن أنجيه، ذو عمل صالح.
وقيل: المعنى: إن عماه غير صالح.
وعن ابن مسعود / أنه قرأ " إنه عمل صالح أن تَسْألني ما ليس لك به علم " فَلاَ تَسْئَلْنِ، فتكون الهاء للمجهول، وخبر " عمل " محذوف دل عليه فَلاَ تَسْئَلْنِ.
ومن قرأ: " عمل غير صالح "، فكذلك قرأ الكسائي. وفيه: حديث عن النبي ﷺ، أنه كذلك قرأ. ومعناه: ظاهر، كأنه قال: إنه كافر
والمعنى: إن ابنك كافر، عمل عملاً غير صالح، مثل واعملوا صَالِحاً [المؤمنون: ٥٢، سبأ: ١١]، ومثل وَعَمِلَ صَالِحاً [البقرة: ٦٢، سبأ: ٣٧].
ثم قال تعالى: إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين هذا تنبيه لنوح، ﷺ، لئلا يسأل عما طوي عنه علمه.
وقال ابن زيد: المعنى: إني أعظك أن تبلغ الجهالة بك، أن تظن أني لا أفي بوعد وعدتك، حتى تسألني ما ليس لك به علم. فاستقال نوح من سؤاله، واستعاذ من ذلك. وقال: رَبِّ إني أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وترحمني أَكُن مِّنَ الخاسرين: فاستغفر من زلته في مسألته، وهذا " يدل على أن الأنبياء (صلوات الله عليهم)، يذنبون ".
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي