ﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓ

وقوله تعالى :( قيل يا نوح اهبط ) قال بعضهم : أي انزل من الجودي إلى مكان قرار الأرض. وقال بعضهم : قوله :( اهبط ) أي انزل، وأقم على المقام، وامكث في المكان، ليس على الهبوط من مكان مرتفع إلى مكان منحدر.
وقوله تعالى :( اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ ) السلامة [ هي أن يسلم من ][ في الأصل وم : هو أن يسلم عن ] الشرور والآفات، و البركة هي نيل كل خير وبر على غير تبعة. ثم هما في التحصيل واحد ؛ لأنه إذا سلم [ المرء من ][ في الأصل وم : عن ] كل شر وآفة نال كل خير وبر، وإذا نال كل خير سلم من[ في الأصل وم : عن ] كل شر. هما في الحقيقة واحد، لكنهما في العبارة [ مختلفان، وهما ][ في الأصل وم : مختلف، وهو ] كالبر والتقوى من العبد : البر هو كسب كل خير، والتقوى هو اتقاء كل شر ومعصية، هما في العبارة مختلفان، وفي الحقيقة واحد ؛ لأنه إذا اتقى كل شر عمل كل خير وبر، وإذا كسب كل خير وبر اتقى كل معصية وشر.
وعلى ذلك يخرج الشكر والصبر ؛ [ فالصبر ][ في م : الصبر، ساقطة من الأصل ] هو كف النفس عن كل مأثم، /٢٤١-أ/ والشكر هو استعمال النفس في كل طاعة. هما أيضا في العبارة مختلفان، وفي الحقيقة واحد لأنه إذا كف نفسه عن كل مأثم، واستعملها في الطاعة كفها عن كل مأثم ومعصية.
وعلى ذلك يخرج الإسلام والإيمان : الإسلام [ هو تسليم ][ في الأصل : هو التسليم، في م : تسليم ] النفس لله خالصة سالمة، لا تجعل لغيره فيها حقا، والإيمان هو أن يصدق الله بالربوبية في نفسه وفي كل شيء، وهما في الحقيقة واحد، وفي العبارة مختلفان ؛ لأنه إذا جعل نفسه وكل شيء سالما لله أقر بالربوبية في نفسه وفي كل شيء، وإذا صدقه، وأقر له بالربوبية في نفسه، [ وجعل نفسه وكل شيء لله فقد آمن ][ في الأصل وم : وكل شيء جعلها لله وكل شيء له ]. هذه الأشياء في العبارة مختلفة وفي التحصيل واحد.
ثم قوله تعالى :( اهبط بسلام منا ) [ يحتمل وجهين :
أحدهما ][ في الأصل وم : و ] : جائز أن يكون جواب قوله ( وإلا تغفر لي وترحمني ) أمنه مما [ في الأصل وم : عما ] خاف، وطلب منه المغفرة والرحمة.
والثاني : السلام[ في الأصل وم : السلامة ] منه هو الثناء الحسن كقوله ( سلام على نوح في العالمين )[ الصافات : ٧٩ ].
وقوله تعالى :( وبركات عليك ) يحتمل أن يكون جواب قوله :( أنزلني منزلا مباركا )[ المؤمنون : ٢٩ ] والبركة هو اسم كل خير لا انقطاع له، أو اسم كل شيء لا تبعة له عليه فيه.
ثم قوله :( بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ) على قول بعض أهل التأويل : ذلك السلام[ في الأصل وم : الإسلام ] لما سلموا من الغرق، والبركات ما نالوا في الدنيا من الخيرات والمنافع.
وعلى قول بعضهم : السلام والبركات جميعا في الآخرة.
ثم جعل عز وجل المؤمن والكافر مشتركين في منافع الدنيا وبركاتها، وجعل منافع الآخرة وبركاتها للمؤمنين خاصة بقوله :( العاقبة للمتقين )[ الأعراف : ١٢٨ وهود : ٤٩ والقصص : ٨٣ ] وبقوله :( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل[ أدرج قبلها في الأصل وم : ثم قال ] هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة )[ الأعراف : ٣٢ ] أشرك المؤمن والكافر في زينة الدنيا، ثم جعلها للمؤمنين خالصة يوم القيامة.
فذلك قوله :( وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) أخبر أنه يمتعهم، ثم يصيبهم عذاب أليم، ويمتع المؤمن أيضا في هذه الدنيا بأنواع المنافع.
ثم أخبر أن ( العاقبة للمتقين ) ثم جعل العاقبة بإزاء ما جعل لهم عذابا أليما ؛ أعني الكفرة، والله أعلم.
وقوله تعالى :( وعلى أمم ممن معك ) ولم يكن مع نوح أمم يومئذ، إنما كان[ في الأصل وم : كانوا ] معه نفر، ولكنه أراد، والله أعلم، الأمم التي كانوا من بعده. كأنه قال : وعلى أمم يكونون من بعدك.
فهذا يدل أن دين الأنبياء والرسل عليهم السلام [ دين واحد ][ في الأصل وم : عما ] وإن اختلف شرائعهم لأن تلك الأمم لم يكونوا بأنفسهم مع نوح، ولا كانوا معه في العبادات التي كان فيها نوح. دل أنهم كانوا جميعا على دينه، وهو واحد، وعلى ذلك يخرج دعاؤه ( رب اغفر لي ولوالدي )الآية[ نوح : ٢٨ ] دعاه بالمغفرة له ولكل مؤمن ومؤمنة، يكون من بعده، وكذلك يلحق كل[ أدرج قبلها في الأصل وم : على ] كافر دعاؤه ( ولا تزد الظالمين إلا تبارا )[ نوح : ٢٨ ].

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية