فسبّح بحمد ربك أي ملتبسا بحمد ربك، يعني قل : سبحان الله وبحمده، متعجبا حامدا لما تيسر الله لك ما لم يخطر ببال أحد أن يفتح عنوة، وقد منعها الله من أصحاب الفيل. عن أنس قال :( لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة استشرفه الناس، فوضع رأسه صلى الله عليه وسلم على رحله متخشعا )، رواه الحاكم بسند جيد. وعن أبي هريرة نحوه، بلفظ : ليمس وسط رحلة، ويقرب منها تواضعا، لما رأى من فتح الله وكثرة المسلمين، ثم قال :" اللهم إن العيش عيش الآخرة " رواه أبو يعلى. واستغفره تواضعا وهضما لنفسك، واستغفارا لعملك، واستدراكا لما فات منك، الأفضل باختيار الفاضل، شفقة على الأمة. أو المعنى : استغفر لأمتك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة "، وفي رواية " أكثر من سبعين مرة "، وفي رواية " مائة مرة " (١)، رواه البخاري والنسائي وابن ماجه والطبراني وأبو يعلى من حديث أبي هريرة وأنس وشداد بن أوس. وتقديم التسبيح ثم الحمد على الاستغفار على طريقة النزول من الخالق إلى الخلق، وهذا من سنة الدعاء، ولا بد لغير النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أيضا على استغفار. إنه لم يزل كان توّابا للمستغفرين منذ خلق المكلفين. روى الثعلبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قرأها بكى عباس، فقال صلى الله عليه وسلم :" ما يبكيك " ؟ فقال : نعيت نفسك إليك، فقال :" إنه لكما تقول ". قال البيضاوي : وجه الاستدلال بالسورة على نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم دلالتها على تمام الدعوة، وكمال أمر الدين، كقوله تعالى : اليوم أكملت لكم دينكم (٢) الآية. أو لأن الأمر بالاستغفار تنبيه له على دنو الأجل، وروى البخاري عن ابن عباس قال : كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم : لم يدخل هذا الفتى معنا، ولنا أبناء مثله ؟ فقال : إنه ممن قد علمتم. قال : فدعاهم ذات يوم، ودعاني معهم. قال : وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، فقال : ما تقولون في إذا جاء نصر الله والفتح حتى ختم السورة ؟ فقال بعضهم : أمرنا أن نحمد الله، ونستغفره، إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم : لا ندري، ولم يقل بعضهم شيئا. فقال لي : يا ابن عباس كذلك تقول ؟ قلت : لا. قال : فما تقول ؟ قلت : هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاء نصر الله والفتح فتح مكة فذاك علامة أجلك، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا قال عمر : ما أعلم إلا ما تعلم(٣).
٢ سورة المائدة، الآية: ٣..
٣ أخرجه البخاري في كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام (٢٨٩٣)..
التفسير المظهري
المظهري