تفسير المفردات : والغائب : ما غاب عن الحس. والشاهد : الحاضر المشاهد. الكبير : العظيم الشأن. والمتعالي : المستعلي على كل شيء.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه إنكار المشركين للبعث واستبعادهم له كما حكي عنهم بقوله : أئذا كنا ترابا أئنا في خلق جديد [ الرعد : ٥ ]، إذ رأوا أن أجزاء الحيوان حين تفتتها وتفرقها يختلط بعضها ببعض، وقد تتناثر في بقاع شتى ونواح عدة، وربما أكل بعض الجسم سبع وبعضه الآخر حدأة أو نسر، وحينا يأكل السمك قطعة منه وأخرى يجري بها الماء وتدفن في بلد آخر، أزال هذا الاستبعاد بأن الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، والذي يعلم الأجنة في بطون أمهاتها، ويعلم ما هو مشاهد لنا أو غائب عنا يعلم تلك الأجزاء المتناثرة ومواضعها مهما نأى بعضها عن بعض ويضم متفرقاتها ويعيدها سيرتها الأولى.
الإيضاح : عالم الغيب والشهادة أي عالم ما هو غائب عنكم لا تدركه أبصاركم من عوالم لا نهاية لها، فقد أثبت العلم حديثا أن هناك عوالم لا تراها العين المجردة، بل ترى بالمنظار المعظم " التليسكوب " ومنها الجراثيم " المكروبات " التي تولد كثيرا من الأمراض التي قد يعسر شفاؤها أو يتعذر في كثير من الأحوال كجراثيم السرطان والسل والزهري، أو تشفي بعد حين كجراثيم الجدري و " الدفتيريا " والحصبة ونحوها، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : وما يعلم جنود ربك إلا هو ، [ المدثر : ٣١ ] وما تشاهدونه وترونه بأعينكم وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين [ يونس : ٦١ ].
الكبير المتعال أي هو العظيم الشأن الذي يجلّ عما وصفه به الخلق من صفات المخلوقين، المستعلي على كل شيء بقدرته وجبروته وهو وحده الذي له التصرف في ملكوته.
وفي هذا إيماء إلى أنه تعالى قادر على البعث الذي أنكروه، والآيات التي اقترحوها، والعذاب الذي استعجلوه، وإنما يؤخر ذلك لمصلحة لا يدركها البشر فيخفى عليه سرها.
وفي معنى الآية قوله : سبحان الله عما يصفون [ المؤمنون : ٩١ ].
تفسير المراغي
المراغي