ﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤ

قال لم أكن لأسجُدَ أي : لا يصح مني، بل ينافي حالي أن أسجد لبشرٍ جسماني كثيف، وأنا روحاني لطيف، وقد خلقتَه من صلصالٍ من حمإ مسنونٍ ، وهو أخشن العناصر، وخلقتني من نار وهي أشرفها. استنقص آدم من جهة الأصل، وغفل عن الكمالات التي خصه الله بها، منها : أنه خلقه بيديه بلا واسطة، أي : بيد القدرة والحكمة، بخلاف غيره، ومنها : أنه خصه بالعلوم التي لم توجد عند غيره من الملائكة، ومنها : أنه نفخ فيه من روحه المضافة إلى نفسه، ومنها : أنه جعله خليفة في أرضه. . . إلى غير ذلك من الخواص التي تشرف بها فاستحق السجود.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : إنما يصعب الخضوع للجنس أو لمن دونه، في حق من يغلب حسه على معناه، وفرقُه على جمعه وأما من غلب معناه على حسه، حتى رأى الأشياء الحسية أواني حاملة للمعاني، أي : لمعاني أسرار الربوبية، بل رآها أنواراً بارزة من بحر الجبروت، لم يصعب عليه الخضوع لشيء من الأشياء ؛ لأنه يراها قائمة بالله، ولا وجود لها مع الله، فلا يخضع حينئذٍ إلا لله، فالملائكة - عليهم السلام - نفذت بصيرتهم، فرأوا آدم عليه السلام عليه قبلة للحضرة القدسية، فغلب عليهم شهود المعاني دون الوقوف مع الأواني، فخضعوا لآدم صورةً، ولله حقيقة. وإبليس وقف مع الحس، وحجب بالفرق عن الجمع، فلم ير إلا حس آدم معناه، فامتنع عن السجود، وفي الحِكَم العطائية :" فمن رأى الكون، ولم يشهد الحق فيه، أو عنده، أو قبله، أو بعده، أو معه، فقد أعوزه وجود الأنوار، وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار ". ولهذا المعنى صعب الخضوع للأشباح ؛ لغلبة الفرق على الناس، إلا من سبقت له العناية، فإنه يخضع مع الفرق ؛ محبة لله، حتى يفتح الله عليه في مقام الجمع، فيخضع لله وحده. والتوفيق لهذا، والسير على منهاجه ـ أعني الخضوع لمن يوصل إلى الله ـ هو الصراط الذي أشار إليه الحق تعالى بقوله : هذا صراط عَلَيَّ مستقيم . والله تعالى أعلم.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير