فإن قلت : فقوله : إِلاَّ امرأته ممّ استثني ؛ وهل هو استثناء من استثناء ؟ قلت : استثنى من الضمير المجرور في قوله لَمُنَجُّوهُمْ وليس من الاستثناء في شيء ؛ لأنّ الاستثناء من الاستثناء إنما يكون فيما اتحد الحكم فيه، وأن يقال : أهلكناهم إلا آل لوط، إلا امرأته، كما اتحد الحكم في قول المطلق : أنت طالق ثلاثاً، إلا اثنتين، إلا واحدة. وفي قول المقرّ : لفلان عليّ عشرة دراهم، إلا ثلاثة، إلا درهما. فأمّا في الآية فقد اختلف الحكمان، لأنّ إِلا ءالَ لُوطٍ متعلق بأرسلنا، أو بمجرمين، و إِلاَّ امرأته قد تعلق بمنجوهم، فأنى يكون استثناء من استثناء. وقرئ :«لمنجوهم » بالتخفيف والتثقيل. فإن قلت : لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين والتعليق من خصائص أفعال القلوب ؟ قلت : لتضمن فعل التقدير معنى العلم، ولذلك فسر العلماء تقدير الله أعمال العباد بالعلم. فإن قلت : فلم أسند الملائكة فعل التقدير- وهو لله وحده - إلى أنفسهم، ولم يقولوا : قدّر الله ؟ قلت : لما لهم من القرب والاختصاص بالله الذي ليس لأحد غيرهم، كما يقول خاصة الملك : دبرنا كذا وأمرنا بكذا، والمدبر والآمر هو الملك لا هم، وإنما يظهرون بذلك اختصاصهم وأنهم لا يتميزون عنه. وقرئ :«قدرنا »، بالتخفيف.
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب