ﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎ

آية الأخلاق *١
" ولا تمش في الأرض مرحا، إنك لن تخرق الأرض و لن تبلغ الجبال طولا.
كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها.
ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة و لا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا ".
المفردات والتراكيب :
( المرح ) : مشية فيها خفة ونشاط واختيال، ناشئة عن شدة فرح بالنفس.
تقول العرب : أمرح الكلأ الفرس فمرح فهو فرس مرح وممراح، إذا شبع فأخذ يمشي بخفة و نشاط واختيال. ويقال : مرح الرجل إذا اختال في مشيته و نظر في عطفيه، ولا يكون ذلك إلا لفرحه بنفسه و إعجابه بها.
( وخرق الأرض ) : ثقبها.
( والطول ) : ارتفاع القامة.
اللغة :
نصب مرحا بتمش ؛ لأنه متضمن له تضمن الكلي لجزئيه ؛ إذ المرح جزئي من جزئيات المشي ؛ فكأنه قال : لا تمرح مرحا. و نظيره قول الشاعر :
يعجبه السخون والبرود و التمر حبا ما له مزيد فنصب حبا بيعجب ؛ لأن الإعجاب متضمن للحب.
أو نصب على أنه حال كجاءني زيد ركضا.
ونصب طولا على أنه تمييز، أي من جهة الطول. والتقدير : ولن يبلغ طول الجبال.
المعنى :
حب النفس سبب العجب
حب الإنسان لنفسه غريزة فيه، و ذلك يحمله على الإعجاب والفرح بها، و بكل ما يصدر عنها. ويستخفه ذلك حتى يتركه يمشي بين الناس مختالا متبخترا‘ و هذه هي مشية المرح التي نهى الله تعالى في هذه الآية عنها.
و لما كانت هي فرعا عن الإعجاب بالنفس والفرح بها، فالنهي منصب على أصلها كما انصب عليها.
لطيفة في الدواء :
و لما كانت هذه العلة ناشئة عن علة العجب، أعقب الله تعالى بيان الداء الذي نهى بذكر الدواء الذي يقلعه من أصله، فقال تعالى :
" إنك لن تخرق الأرض و لن تبلغ الجبال طولا ". فذكر الإنسان بضعفه بين مخلوقين عظيمين من فوقه ومن تحته، فإذا ضرب برجليه الأرض في مرحه فهو لا يستطيع خرقها، و إذا تطاول بعنقه في اختياله فهو لن يبلغ طول الجبال، فقد أحاط به العجز من ناحيته.
و ذكر الإنسان لضعفه و عجزه أنجع دواء لمرض إعجابه بنفسه.
نعمن الإنسان أعظم من الأرض والجبال بعقله، و لكنه لو سار على نور عقله لما مشى في الأرض مرحا، لأن عقله يبصره بعيوب نفسه، و نقائص بشريته، فلا يدعه يعجب فلا يكون من المرحين، فما مرح إلا وهو محروم من نور العقل مفتون بمادة الجسم، فذكر بضعف هذا الجسم وصغارته.
العجب أصل الهلاك :
الإنسان بأخلاقه :
إذا أعجب المرء بنفسه عمي عن نقائصها، فلا يسعى في إزالتها، و لهى عن الفضائل فلا يسعى في اكتسابها ؛ فعاش ولا أخلاق له، مصدرا لكل شر، بعيدا عن كل خير.
و عن العجب بالنفس ينشأ الكبر على الناس، والاحتقار لهم، ومن احتقر الناس لم يرد لهم حقا، ولم يعتقد لهم حرمة، ولم يراقب فيهم إلا و لا ذمة، وكان عليهم – مثل ما كان على نفسه- أظلم الظالمين.
هلاك إبليس لعجبه :
و إبليس اللعين – نعوذ بالله تعالى منه – كان أصل هلاكه، من عجبه بنفسه، و أنه خلق من النار، وأنه خير من آدم فتكبر عليه فكان من الظالمين الهالكين.
ترك العجب في حسن وكمال الأخلاق :
تربية النفوس تكون بالتخلية عن الرذائل، والتحلية بالفضائل.
و العجب هو أساس الرذائل، فأول الترك تركه.
وهو المانع من اكتساب الفضائل فشرط وجودها تركه كذلك.
و من لم يكن معجبا بنفسه، كان بمدرجة التخلق بمحاسن الأخلاق و التنزه عن نقائصها، لأن الإنسان مجبول على محبة الكمال و كراهة النقص، فإذا سلم من العجب فإن تلك الجبلة تدعوه إلى ذلك التخلق والتنزه، فإذا نبه على نقصه لم تأخذه العزة، و إذا رغب في الكمال كانت له إليه هزة، فلا يزال بين التذكيرات الإلهية، والجبلة الإنسانية الخلقية، يتهذب، و يتشذب، حتى يبلغ ما قدر له من كمال.
و لهذه المعاني التي تتصل بتفسير هذه الآية الكريمة – و هي أصول في علم الأخلاق – عنونا عليها بآية الأخلاق.
تأكيد الأوامر والنواهي المتقدمة بطريق الإيجاز :

١ ارتباط الآية بما قبلها تقدم في صدر الكلام السابق.
.

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير