ﰐﰑﰒﰓﰔﰕﰖ

و مَرَحًا : مصدر في موضع الحال. و مكروهًا : نعت لسيئة، أو بدل منها، أو خبر ثان لكان.
كلُّ ذلك المذكور، من قوله : لا تجعل مع الله إلهًا آخر إلى هنا، وهي : خَمْسٌ وعشرون خصلة، قال ابن عباس :( إنها المكتوبة في ألواح موسى )، فكل ما ذكر كان سَيّئة عند ربك أي : خصلة قبيحة مكروهًا أي : مذمومًا مبغوضًا. والمراد بما ذكر : من المنهيات دون المأمورات.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : ينبغي للإنسان الكامل أن يكون في أموره كلها على بينة من ربه، فَيُحَكِّمُ على ظاهره الشريعة المحمدية، وعلى باطنه الحقيقة القدسية، فإذا تجلى في باطنه شيء من الواردات أو الخواطر فليعرضه على الكتاب والسُنَّة، فإن قبلاه أظهره وفعله، وإلاَّ رده وكتمه، كان ذلك الأمر قوليًا أو فعليًا، أو تركًا أو عقدًا ؛ فقد انعقد الإجماع على أنه لا يحل لامرئٍ مسلم أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، وإليه الإشارة بقوله : ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم ، فإن لم يجد نصًا في الكتاب أو السنة فليستفت قلبه، إن صفا من خوض الحس، وإن لم يَصْفُ فليرجع إلى أهل الصفاء، وهم أهل الذكر. قال تعالى : فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ [ النّحل : ٤٣ ]، ولا يستفت أهل الظنون، وهم أهل الظاهر، قال تعالى : إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [ يُونس : ٣٦ ].
وقال القشيري في تفسير الآية هنا : ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم أي : جانب محاذاة الظنون، وما لم يُطْلِعْكَ الله عليه، فلا تتكلف الوقوف عليه من غير برهان. فإذا أُشْكِلَ عليك شيءٌ في حكم الوقت، فارجعْ إلى الله، فإِنْ لاحَ لقلبك وَجْهٌ من التحقيق فكن مع ما أريد، وإن بقي الحال على حدِّ الالتباس فَكِلْ عِلْمَه إلى الله، وقِفْ حيثما وقفت. ويقال : الفرق بين من قام بالعلم، ومن قام بالحق : أنَّ العلماء يعرفون الشيء أولاً، ثم يعملون بعلمهم، وأصحابُ الحقائق يجْرِي، بحكم التصريف عليهم، شيءٌ، ولا عِلمَ لهم به على التفصيل، وبعد ذلك يُكْشَف لهم وجههُ، فربما يجري على لسانهم شيءٌ لا يدرون وَجْهَه، ثم بعد فراغهم من النطق به يظهر لقلوبهم برهانُ ما قالوه من شواهد العلم ؛ إذ يتحقق ذلك بجريان الحال في ثاني الوقت. انتهى. قلت : وإلى هذا المعنى أشار في الحكم العطائية بقوله :" الحقائق ترد في حال التجلي مُجْمَلَةً، وبعد الوعي يكون البيان، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ".
قوله تعالى : ولا تمشِ في الأرض مرحًا ، ورد في بعض الأخبار، في صفة مشي الصوفية : أنهم يدبون على أقدامهم دبيب النمل، متواضعين خاشعين، ليس فيه إسراع مُخل بالمروءة، ولا اختيال مُخل بالتواضع. والله تعالى أعلم.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير