وسبب عدم فقه تسبيح الأشياء : غفلة القلوب : وطبع الأكنة عليها، كما قال تعالى :
وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيا آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً * نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً * انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً * وَقَالُواْ أَئذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً
قلت : أن يفقهوه : مفعول من أجله، أي كراهة أن يفقهوه، و نفورًا : مصدر في موضع الحال.
يقول الحقّ جلّ جلاله : وإِذا قرأتَ القرآنَ الناطق بالتنزيه والتسبيح، ودعوتهم إلى العمل بما فيه ؛ من التوحيد، ورفض الشرك، وغير ذلك من الشرائع، جعلنا بقدرتنا ومشيئتنا المبنية على دواعي الحِكَمِ الخفية بينَك وبين الذين لا يُؤمنون بالآخرة ، خَصَّ الآخرة بالذكر من بين سائر ما كفروا به ؛ دلالة على أنها معظم ما أمروا بالإيمان به، وتمهيدًا لما سينقل عنهم من إنكار البعث، أي : جعلنا بينك وبينهم حجابًا يمنعهم عن فهمه والتدبر فيه، مستورًا عن الحس، خفيًا، معنويًا، وهو الران الذي يَسْبَحُ على قلوبهم من الكفر، والانهماك في الغفلة. أو : ذا ستر، كقوله :
وَعْدُهُ مَأْتِيًّا [ مريَم : ٦١ ]، أي : آتيًا، فهو ساتر لقلوبهم عن الفهم والتدبر.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي