لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وضِعْفَ الْمَمَاتِ : لأذقناك عذابا مضاعفا في الحياة وعذابا مضاعفا بعد الممات على ما ذكره المفسرون.
في الآيات تنبيه رباني للنبي صلى الله عليه وسلم بأن الكفار كادوا يصرفونه عما أوحى الله إليه ويحملونه على العدول عنه ومسايرتهم بوعد اتخاذهم إياه خليلا وصاحبا، وبأنه كاد أن يستجيب إليهم لولا أن ثبته الله، ولو فعل لاستحق من الله عذابا مضاعفا في الحياة وبعد الممات.
وتبدو الآيات لأول وهلة منفصلة موضوعا عن السياق السابق، وقد احتوت إشارة إلى موقف خطير واقعي بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار وصورة من صور السيرة النبوية.
ويتبادر لنا من وحدة السبك التي تجمع بين الآيات وسابقاتها أن هذا الموقف لم يكن فوريّا نزلت الآيات بسببه وإنما كان قبل ذلك فذكرته الآيات استطرادا بمناسبة ذكر مواقف الكفار ومكابرتهم وطغيانهم كلما ذُكروا بآيات الله، ومن هنا يكون السياق غير منقطع كما هو المتبادر.
تعليق على الآية
{ وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ }
ولقد تعددت الروايات التي رواها المفسرون في صدد هذا الموقف، فمنها : أن فريقا من الكفار اقترحوا على النبي صلى الله عليه وسلم السكوت عن شتم آلهتهم وتحقيرها ليحاسبوه، ومنها : أنهم اقترحوا الإبقاء على بعض تقاليدهم وطقوسهم مدة من الزمن، ومنها : أنهم اقترحوا أن يسمح لهم بتكريم آلهتهم بعض التكريم. ومنها : أنهم اقترحوا أن يُلمّ بآلهتهم أي يمرّ بها ويمسها كما يفعل بالحجر الأسود على سبيل التبرك، ومما جاء في الروايتين الثانية والثالثة أنهم وعدوه ـ إذا فعل ـ أن يؤمنوا به، ومما جاء في الرابعة أنهم أرادوا أن يمنعوه من الحجر الأسود والطواف ما لم يُلمّ بآلهتهم أي أوثانهم التي كانت في فناء الكعبة١، وهناك رواية خامسة وردت في الجزء الأول من الطبقات لابن سعد تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى من قومه كفّا عنه، تمنى فقال : ليته لا ينزل عليّ شيء ينفرهم مني وقارب قومه ودنا ودنوا منه، وجلس يوما مجلسا من ناد حول الكعبة فقرأ عليهم والنجم إذا هوى ١ حتى إذا بلغ أفرأيتم اللات والعزى ١٩ ومناة الثالثة الأخرى ٢٠ ألقى الشيطان كلمتين على لسانه وهما ( تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ) ثم مضى فقرأ السورة كلها وسجد وسجد القوم معه جميعا وقالوا : قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فأما إذا جعلت لها نصيبا فنحن معك فكبر ذلك على رسول الله، فلما أمسى أتاه جبريل فقال له : قلت على الله ما لم يقل، فأوحى إليه وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك إلى قوله ثم لا تجد لك علينا نصير٧٥ وبلغ الخبر للمهاجرين في أرض الحبشة بأن أهل مكة أسلموا فبادروا إلى العودة حتى إذا كانوا دون مكة لقوا ركبا من كنانة فسألوهم فقالوا : ذكر محمد آلهتهم بخير فتابعوه، ثم ارتد عن ذلك وعاد إلى شتم آلهتهم فعادوا له بالشر فائتمر العائدون فعاد أكثرهم ثانية إلى الحبشة وعاد معهم آخرون مجددا. وقليل منهم رحل إلى مكة بجواره، وإن الحادث وقع في السنة الخامسة من البعثة٢.
وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح، ومع ذلك فروح الآيات ومضمونها متسقان مع رواية ما من الروايات الأربع دون الخامسة بقرينة ما حكته بعض الآيات من أمل كان يداعب الكفار بمداهنة النبي ليداهنوه كما جاء في سورة القلم ودوا لو تدهن فيدهنون٩ وكانوا يحلفون له فأمره الله في الآيات التالية لهذه الآية بعدم طاعتهم ثم حمل عليهم حملة قارعة على ما سبق شرحه في تفسير السورة. هذا مع التنبه على أن عبارة الآيات صريحة بأن ما حكته كان خاطرا وقع في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله.
بقيت الرواية الخامسة، ولقد رواها المفسرون في سياق تفسير آيات سورة الحج هذه ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلاّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٥٢ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ٥٣ ورووا أن الآيات أذهبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الحزن الذي ألمّ به من معاتبه جبريل. وبعضهم روى مع هذه الرواية أن النبي كان يقرأ سورة النجم وهو يصلي في فناء الكعبة فجرت تلك العبارتان على لسانه.
وهذه الرواية واهية موضوعا ومدى وسياقا وظرفا، فإنه لا يمكن أن يصدر ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي كانت محاربته الشرك والمشركين بأية صفة من أهم أسس رسالته، والذي كان هذا الأساس من أكثر وأقوى ما نزل عليه من القرآن. وهو مناقض للعصمة النبوية التي قررها الله خاصة فيما يبلغه عن ربه حين يقول : وما ينطق عن الهوى ٣ إن هو إلاّ وحي يوحى ٤ النجم :[ ٣ ـ ٤ ] ومضمون الآية التي نحن في صددها والآيات التالية لها التي هي منسجمة معها كل الانسجام لا يمكن أن يتحمل ذلك عند التدبر وإنعام النظر فضلا عن أن الآية الأولى من آيات سورة الحج تعني أن كل نبي ورسول قد أجرى الشيطان على لسانه مقاطع غير ما أنزل الله، وأن هذا هو سنة جارية مما هو غريب كل الغرابة ومتهافت كل التهافت. وما رواه بعضهم من أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم وهو يصلي بالمؤمنين في فناء الكعبة لا يؤيده أي خبر ؛ لأن النبي والمؤمنين ما كانوا في ظروف نزول الآيات يستطيعون، بل ولم يستطيعوا في أي ظرف في مكة أن يصلوا جماعة وجهرا وعلى ملأ من المشركين في فناء الكعبة. والرواية تذكر أن النبي قال قولا أي وقع منه فعل في حين أن الآية تقول : إنهم كادوا يفتونه عن الذي أوحي إليه. وسياق آيات النجم لا يمكن أن يتحمل استطراد من هذا القبيل ؛ لأنه مصبوب على تسفيه الكفار لاتخاذ الأصنام الثلاثة آلهة وتسميتها بأسماء الإناث ونسبتها إلى الله تعالى كبنات له، ونفي احتمال شفاعتهم لأحد إلاّ بإذن الله ورضائه. وسورة الإسراء نزلت في النصف الأول من العهد المكي، ولم يكن المهاجرين إلى الحبشة قد هاجروا بعد.
ولقد توقف معظم المفسرين الباحثين في الرواية وبخاصة في صدور المقطعين عن النبي صلى الله عليه وسلم وفندوها سندا وموضوعا وأوردوا أقوال كثير من العلماء بالتفنيد بالإضافة إلى تفنيداتهم٣. وحاول بعضهم أن يوفق بين الرواية والمقاطع وعصمة الرسول على غير ضرورة فقال : إن المقاطع لم تجر على لسان رسول الله وإنما هتف بها الشيطان للفتنة. ومنهم من قال : إن المشركين هم الذين هتفوا بها ردا على النبي صلى الله عليه وسلم حينما تلا سورة النجم.
ورواية وصول خبر مبالغ فيه بتحسن الحالة في مكة وإسلام أهلها قد تكون صحيحة بذاتها لأن هناك ما يفيد أن بعض المهاجرين عادوا إلى مكة. ولعل ذلك كان من ركيزة من افتراء المفترين وتضخيمهم.
وكما أن مضمون آيات الإسراء وظروف نزولها وطبيعة مهمة النبي صلى الله عليه وسلم مع رواية الغرانيق فإنها تتنافى أيضا مع القول : إن النبي صلى الله عليه وسلم جنح إلى تساهل ما في أسس الدعوة وعقيدة التوحيد. وكل ما في الأمر على ما تلهمه روح الآيات ومضمونها أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان شديد الحرص على تحويل الكفار عن موقفهم منه وشديد الغمّ والحزن من انصرافهم عنه ومناداتهم له تلقى في لحظة من لحظات أزماته النفسية من جراء هذا الموقف بعض مقترحات من فريق معتدل من الكفار توقع في نفسه أن يستجيب إلى شيء منها على رجاء أن يكون ذلك وسيلة إلى جلبهم واستجابتهم للدعوة. وهذه حالة نفسية ليست مستحيلة والوقوع من وجهة الطبيعة البشرية. والنبي بشر مثل سائر البشر إزاء حالات النفس، وقد حكى القرآن ما كان من أزماته النفسية تجاه مواقف العناد والأذى التي كان يقفها زعماء الكفار مرارا عديدة مرت أمثلة منها لما حكى ما كان من تكرار محاولات الزعماء المعتدلين حمله على المسايرة والمداهنة ليسايروه ويداهنوه مرارا مرّت أمثلة منها كذلك.
ولقد ثبته الله تعالى في هذا الموقف كما ثبته في غيره ؛ لأنه لا يصح أن يكون مساومة ولا حلّ وسط في دين الله الحق والمبادئ المحكمة التي قررها الله في قرآنه وقد أرسله لمحاربة الشرك بكل أنواعه ومظاهره وليكون الدين لله وحده. وفي هذا من التلقين الجليل المستمر المدى ما فيه من الروعة والجلال.
وننبه على أن هناك رواية يرويها المفسرون تذكر أن الآيات التي نحن في صددها نزلت في ثقيف الطائف الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أجلنا سنة حتى يهدى لآلهتنا فإذا قبضناه أسلمناه وكسرنا الآلهة، وفي رواية أنهم طلبوا أن يعفيهم النبي من الانحناء في الصلاة وكسر أصنامهم بأيديهم، وأن يتمتعوا باللات سنة أخرى، وفي رواية أنهم قالوا نحب أن تسمع العرب أنك أعطيتنا ما لم تعط غيرنا، وأنه خطر لباله أن يستجيب إلى شيء مما طلبوه، فأنزل الله الآيات. وهذه الرواية يرويها الطبري والبغوي عن ابن عباس دون أن يرد فيها أن الآيات مدنية كما هو المقتضى ؛ لأن وفد ثقيف جاؤوا إلى النبي في السنة التاسعة من الهجرة، والمصحف الذي اعتمدناه يذكر أن هذه الآيات مدنية. وهذا يتفق مع مقتضى الرواية، وورود الآيات في سورة مكية، وفي سياق حكى فيه مواقف جدل الكفار وعنادهم. وورود روايات عديدة مؤيدة بقرائن قرآنية بتقدم بعض زعماء مكة باقتراحات متنوعة بسبيل حمل النبي صلى الله عليه وسلم على التساهل معهم. ووحدة السبل التي تجمع بين الآيات السابقة لها التي لا خلاف في مكيتها وانسجام السياق السابق واللاحق معا. وكل ذلك يحمل على الشك في رواية مدنية الآيات، وبالتالي في رواية نزولها في صدد وفد ثقيف.
هذا، وفيما احتوته الآيات دلالة ذات خطورة بالغة من ناحية أخرى، وهي تلقي النبي صلى الله عليه وسلم الآيات التي احتوت تنبيها وعتابا وإنذارا خاصا له على اعتبارها وحيا قرآنيا وإثباتها وتسجيلها، كذلك حيث ينطوي في هذا مظهر من مظاهر العصمة النبوية في تبليغ كل ما يوحى به إليه مهما كان. وحيث ينطوي فيه كذلك دليل آخر على صدق وعمق شعور النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي القرآني وكونه غير نابع من ذاته. ولقد تكرر هذا أكثر من مرة. ومن هذا القبيل آيات سورة القيامة [ ١٦ ـ ١٩ ] وسورة طه [ ١١٤ ] وسورة عبس [ ١ـ ١٠ ] التي مرت وآيات في سور أخرى مكية ومدنية.
التفسير الحديث
دروزة