ﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂ

المعنى الإجمالي :
يوم ندعو كل قوم بإمامهم الذي يأتمون به من دين أو زعيم، أو ندعو كل إنسان بكتاب أعماله، فالسعداء يأخذون كتابهم بيمينهم والأشقياء الذين عموا عن طريق الهدى في الدنيا ؛ يبعثون على حالتهم من العمى والضلال، بل هم في الآخرة أشد عمى، وأبعد عن سبيل الخير.
وقد أوشك هؤلاء الكافرون أن يوقعوك : لتنصرف عن الذي أوحين إليك ؛ لتختلق علينا غيره، وإذا لاتخذوك خليلا.
ولقد شملت لطفنا، فصرفناك عن الاستجابة لهم، وثبتناك على الحق، ولولا ذلك لأوشكت أن تميل إلى استجابتهم ؛ طمعا في أن يكمل إيمانهم يوما إذا دخلوا في أوائل الإسلام، ولو ركنت إليهم ؛ لجمعنا عليك ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة، ثم لا تجد لك علينا نصيرا.
ولقد حاول كفار مكة وكادوا أن يزعجوك بعداوتهم ومكرهم ؛ ليخرجوك من مكة، وإذا فعلوا فلا يلبثون بعدك إلا قليلا ثم يهلكهم الله، لقد جرت سنتنا بأن الأمم التي تلجأ رسلها إلى الخروج من أرضها، لا بد أن يصيبها الوبال والنكال.
المفردات :
ضعف الحياة وضعف الممات : أي : ضعف حياة الدنيا وضعف عذاب الآخرة.
نصيرا : أي : معينا يدفع عنك العذاب.
التفسير :
٧٥- إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا .
أي : ولو ركنت إلى فتنة المشركين ؛ لأذقناك ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، أي : ضاعفنا لك العذاب في الدنيا والآخرة ( والضعف ) عبارة عن أن يضم إلى الشيء مثله والسبب في تضعيف العذاب أن الذنب من العظيم يكون عقابه أعظم، ومن ثم يعاقب العلماء على زلاتهم من عقاب العامة ؛ لأن الناس تتبع العلماء وتقتدي بهم، ومن ثم قال القاتل :

يا معشر العلماء يا ملح البلد من يصلح الملح إذا الملح فسد
وقد جاء في الأثر :( من سن سنة سيئة ؛ فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ).
ثم لا تجد لك علينا نصيرا .
يعني : لو أذقناك العذاب لم تجد أحدا يدفعه عنه أو يخلصك منه.
تنبيهات :
الأول : قال النيسابوري : اعلم أن القرب من الفتنة لا يدل على الوقوع فيها والتهديد على المعصية لا يدل على الإقدام عليها فلا يلزم من الآية طعن في عصمة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه أنه لا عصمة من العاصي إلا بتوفيق الله وتثبيته على الحق١.
الثاني : قال في التفسير الكبير : حاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك وعقدت على الركون إليه همك ؛ لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة ولصار عذابك مثل عذاب المشرك في الدنيا ومثل عذابه في الآخرة٢.
الثالث : قال القفال : من المعلوم أن المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأقصى ما يقدرون عليه. فتارة كانوا يقولون : إن عبدت آلهتنا عبدنا إلهك ؛ فأنزل الله تعالى : قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون . ( الكافرون : ٢، ١ ). وقوله ودّوا لو تُذهنُ فيُذهنون . ( القلم : ٩ ). وعرضوا عليه الأموال الكثيرة والنساء الجميلة ؛ ليترك ادعاء النبوة فأنزل الله تعالى : ولا تمدن عيناك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى . ( طه : ١٣١ ).
ودعوه إلى طرد المؤمنين عن نفسه فأنزل الله تعالى قوله :{ ولا تطرد الذين يدعون ربهم... ( الأنعام : ٥٢ )٣.
فيجوز أن تكون هذه الآيات نزلت في هذا الباب، وذلك أنهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه وأن يزيلوه عن منهجه. فبين تعالى أنه يثبته على الدين القويم والمنهج المستقيم، وعلى هذا الطريق، فلا حاجة في تفسير الآيات، إلى شيء من تلك الروايات. والله أعلم٤.
١ - تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري ١٥/٧٢ ط بولاق..
٢ - تفسير النيسابوري ١٥/٧١..
٣ - الأنعام ٥٢ وتمام الآية: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين..
٤ - تفسير القاسمي ١٠/٣٩٥٦، وتفسير النيسابوري ١٥/٧٠ ط بولاق..

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

شحاته

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير