ﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂ

إِذَا لو قاربت تركن إليهم أدنى ركنة لأذقناك ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات أي لأذقناك عذاب الآخرة وعذاب القبر مضاعفين. فإن قلت : كيف حقيقة هذا الكلام ؟ قلت : أصله لأذقناك عذاب الحياة وعذاب الممات، لأن العذاب عذابان : عذاب في الممات وهو عذاب القبر، وعذاب في الحياة الآخرة وهو عذاب النار. والضعف يوصف به، نحو قوله فآتهم عذاباً ضعفا ًمن النار [ الأعراف : ٣٨ ] بمعنى مضاعفاً، فكان أصل الكلام : لأذقناك عذاباً ضعفاً في الحياة، وعذاباً ضعفاً في الممات. ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه وهو الضعف، ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف فقيل : ضعف الحياة وضعف الممات، كما لو قيل : لأذقناك أليم الحياة وأليم الممات. ويجوز أن يراد بضعف الحياة : عذاب الحياة الدنيا، وبضعف الممات : ما يعقب الموت من عذاب القبر وعذاب النار، والمعنى : لضاعفنا لك العذاب المعجل للعصاة في الحياة الدنيا، وما نؤخره لما بعد الموت، وفي ذكر الكيدودة وتقليلها، مع إتباعها الوعيد الشديد بالعذاب المضاعف في الدارين - دليل بين على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظم شأن فاعله وارتفاع منزلته، ومن ثم استعظم مشايخ العدل والتوحيد رضوان الله عليهم نسبة المجبرة القبائح إلى الله - تعالى عن ذلك علواً كبيراً - وفيه دليل على أن أدنى مداهنة للغواة مضادة لله وخروج عن ولايته، وسبب موجب لغضبه ونكاله.
فعلى المؤمن إذا تلا هذه الآية أن يجثو عندها ويتدبرها، فهي جديرة بالتدبر، وبأن يستشعر الناظر فيها الخشية وازدياد التصلب في دين الله. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنها لما نزلت كان يقول :«اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ».

فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

تعيلب

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير