قلت : وإن الله : عطف على قوله : إني عبد الله فيمن كسر، وعلى حذف اللام فيمن فتح، أي : ولأن الله ربي وربكم. وقال الواحدي وأبو محمد مكي : عطف على قوله : بالصلاة أي : أوصاني بالصلاة وبأن الله. . . الخ : وقال المحلي : بالفتح، بتقدير اذكر، وبالكسر بتقدير " قل ".
ثم قال لهم عيسى عليه السلام : وإنَّ الله ربي وربكم فاعبدوه ، فهو من تمام ما نطق به في المهد، وما بينهما اعتراض، للمبادرة للرد على من غلط فيه، أي : فإني عبد، وإن الله ربي وربكم فاعبدوه وحده ولا تُشركوا معه غيره، هذا الذي ذكرت لكم من التوحيد صراط مستقيم لا يضل سالكه ولا يزيغ متبعه.
فإذا فرط في هذا، لحقه الندم والحسرة، في يوم لا ينفع فيه ذلك. فكل من تخلف عن مقام الذوق والوجدان ؛ فهو ظالم لنفسه باخس لها، يلحقه شيء من الخسران، ولا بد أنْ تبقى فيه بقية من الضلال، حيث فرط عن اللحوق بطريق الرجال، قال تعالى : لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين .
وأنذرهم يوم الحسرة أي : يوم يرفع المقربون ويسقط المدعون. فأهل الذوق والوجدان حصل لهم اللقاء في هذه الدار، ثم استمر لهم في دار القرار. رُوي أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه قال يومًا بين يدي أستاذه :( اللهم اغفر لي يوم لقائك ). فقال له شيخه - القطب ابن مشيش - رضي الله عنهما : هو أقرب إليك من ليلك ونهارك، ولكن الظلم أوجب الضلال، وسبقُ القضاء حَكَمَ بالزوال عن درجة الأُنْس ومنازل الوصال، وللظالم يومٌ لا يرتاب فيه ولا يخاتل، والسابق قد وصل في الحال، " أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين ". هـ. كلامه رضي الله عنه.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي