(إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)
أخبر اللَّه تعالى عن نفسه بعبارة تدل على عظمة اللَّه وجلاله، وأكد ضمير (إِنَّا) بـ (نَحْنُ)، للدلالة على أنه لَا باقي إلا اللَّه تعالى، والجميع ميت، كما قال تعالى مخاطبا نبيه: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)، وقوله تعالى: (نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا)، أي نحن نرث الأرض ونرث من عليها، فموضع (وَمنْ) في قوله تعالى: (وَمَنْ عَلَيْهَا) النصب بـ (نَرِثُ)، ومعنى وراثتها أنه هو وحده الباقي بعد الأرض ومن فيها فكلها إلى نهاية، وقد شبه وجوده العزيز الجبار بأنه يكون بعدها؛ كي يكون الوارث بعد المورث، فالمورث يموت والوارث يموت بعده، ولكن اللَّه حي لا يموت، وليس المعنى أن اللَّه يرث الأرض ويرث ما ترك الناس من المال والنسب، فاللَّه غني عن المخلوقات كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)، ثم قال: (وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) وهو البعث، وقدم الجار
والمجرور عن الفعل الذي يتعلق به؛ لبيان أن المرجع إليه وحده، وهو وحده مالك يوم الدين يوم الجزاء، يوم القيامة، يوم توفى كل نفس ما كسبت.
* * *
إبراهيم - عليه السلام - وأبوه وأولاده
قال الله تعالى:
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)
* * *
ذلك طرف من أخبار أبي الأنبياء إبراهيم - عليه السلام -، وقد ذكرت أخبار إبراهيم في عدة مواضع من القرآن الكريم، ولا تكرار فيها قط، بل ذكر في كل موضع جزء من أخباره يخالف الآخر، ففي سورة البقرة كانت أخبار بناء الكعبة وصلة إبراهيم بخاتم النبيين محمد - ﷺ -، وفي آخرها خبر إحياء الموتى، وفي سورة الأنعام كان تأمله في النجم والقمر والشمس حتى اهتدى إلى الله، وفي سورة التوبة كان وصف إبراهيم المصور لشخصه الكريم بأنه أواه حليم، وفي سورة إبراهيم كانت دعوته لذريته: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)، وفي السورة نفسها كانت قصة هبة اللَّه له إسماعيل وإسحاق: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ...)، وفي سورة الأنبياء كانت قصة تحطيمه الأوثان وإلقائه في النار: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) وهكذا نرى أنه لَا تكرار في القرآن وقصصه، وإذا كانت قصة إبراهيم وموسى ونوح وغيرهم قد تكرر ذكرها في القرآن فليس تكرارا لأخبار واحدة، وإنما تتناول الأجزاء نواحي مختلفة، ولا تتكرر ناحية.
قال تعالى في ابتداء قصة إبراهيم:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة