مازال خليل الله يتلطف في دعوة أبيه فيقول :
يمسك عذاب.. " ٤٥ " ( سورة مريم ) : ولم يقل مثلاً يصيبك. فهو لا يريد أن يصدمه بهذه الحقيقة، والمس : هو الالتصاق الخفيف، وكأنه يقول له : إن أمرك يهمني، وأخاف عليك مجرد هبو التراب أن ينالك. وهذا منتهى الشفقة عليه والحرص على نجاته.
ثم يقول : فتكون للشيطان ولياً " ٤٥ " ( سورة مريم ) : أي : قريباً منه، وتابعاً له يصيبك من العذاب ما يصيبه، وتعذب كما يعذب.
وهكذا انتهت هذه المحاورة التي احتوت أربعة نداءات حانية، وجاءت نموذجاً فريداً للدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ؛ فراعت مشاعر الأب الذي يدعوه ولده ويقدم له النصح، ورتبت الأمور ترتيباً طبيعياً، وسلسلتها تسلسلاً لطيفاً لا يثير حفيظة السامع ولا يصدمه.
وقد راعى الحق تبارك وتعالى جوانب النفس البشرية فأمر أن تكون الدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة حتى لا تجمع على المدعو قسوة الدعوة، وقسوة أن يترك ما ألف، ويخرج منه إلى ما لم يألف.
فأنت حين تدعو شخصاً إلى الله فإنما تخرجه عن الفساد الذي ألفه، وهو لم يألف الفساد إلا بعد أن اشتهاه أولاً، ثم اعتاده بالفعل والممارسة ثانياً، وهاتان مصيبتان آخذتان بزمامه، فما أحوجه لأسلوب لين يستميل مشاعره ويعطفه نحوك فيستجيب لك.
وما أشبه الداعية في هذا الموقف بالذي يحتال ليخلص الثواب الحرير من الأشواك، أما إن نهرته وقسوت عليه فسوف يعرض عنك، وينصرف عن دعوتك، ويظل على ما هو عليه من الفساد ؛ لذلك قال تعالى :
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.. " ١٢٥ " ( سورة النحل ) :
ويقولون : النصح ثقيل فلا ترسله جبلاً، ولا تجعله جدلاً، وقالوا : الحقائق مرة فاستعيروا لها خفة البيان.
تفسير الشعراوي
الشعراوي