ﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ

قوله :
وهبنا له إسحاق ويعقوب.. " ٤٩ " ( سورة مريم ).
لم يذكر هنا إسماعيل ؛ لأن إسحق جاء جزاءً من الله لإبراهيم على صبره في مسألة ذبح إسماعيل، وما حدث من تفويضهما الأمر لله تعالى، والتسليم لقضائه وقدره، كما قال تعالى :
فلما أسلما.. " ١٠٣ " ( سورة الصافات ) : أي : إبراهيم وإسماعيل وتله للجبين " ١٠٣ " وناديناه أن يا إبراهيم " ١٠٤ " قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين " ١٠٥ " إن هذا لهو البلاء المبين " ١٠٦ " وفديناه بذبح عظيمٍ " ١٠٧ " ( سورة الصافات ).
ولم يقتصر الأمر على الفداء، بل وبشرناه بإسحاق.. " ١١٢ " ( سورة الصافات ).
فلما امتثل لأمر الله في الولد الأول وهبنا له الثاني. وفي آية أخرى يقول تعالى :
ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين " ٧٢ " ( سورة الأنبياء ) : كأن الحفيد نافلة وزيادة في عطاء الذرية، ومبالغة في الإكرام. ثم يمتن الله على الجميع بأن يجعلهم أنبياء وكلاً جعلنا نبياً " ٤٩ " ( سورة مريم ) : فليس الامتنان بأن وهب له إسحاق ومن بعده يعقوب، بل بأن جعلهم أنبياء، وهذه جاءت بشرى لإبراهيم، وكان حظه أن يرعى دعوة الله حياً، ويطمع أن تكون في ذريته من بعده، وكانت هذه فكرة زكريا عليه السلام فكلهم يحرصون على الذرية لا للعزوة والتكاثر وميراث عرض الدنيا، بل لحمل منهج الله وامتداد الدعوة فيهم والقيام بواجبها.
انظر إلى قوله تعالى في حق إبراهيم عليه السلام :
وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن.. " ١٢٤ " ( سورة البقرة ) : أي : حمله تشريعات فقام بها على أتم وجه وأداها على وجهها الصحيح، فلما علم الله منه عشقه للتكليف أتمها عليه :
إني جاعلك للناس إماماً " ١٢٤ " ( سورة البقرة ) : فتثور مسألة الإمامة في نفس إبراهيم، ويطمع أن تكون في ذريته من بعده فيقول : ومن ذريتي.. " ١٢٤ " ( سورة البقرة ).
لذلك يعدل الحق سبحانه فكرة إبراهيم عن الإمامة، ويضع المبدأ العام لها، فهي ليست ميراثاً، إنها تكليف له شروط :
قال لا ينال عهدي الظالمين " ١٢٤ " ( سورة البقرة ) : فالظالمون لا يصلحون لهذه المهمة. فوعى إبراهيم عليه السلام هذا الدرس، وأخذ هذا المبدأ، وأراد أن يحتاط به في سؤاله لربه بعد ذلك، فلما دعا ربه :
وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات.. " ١٢٦ " ( سورة البقرة ) :
فاحتاط لأن يكون في بلده ظالمون، فقال : ومن آمن منهم بالله واليوم الآخر.. " ١٢٦ " ( سورة البقرة ).
لكن جاء قياس إبراهيم هنا في غير محله، فعدل الله له المسألة ؛ لأنه يتكلم في أمر خاص بعطاء الربوبية الذي يشمل المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، فقد ضمن الله الرزق للجميع فلا داعي للاحتياط في عطاء الربوبية ؛ لذلك أجابه ربه :
قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير " ١٢٦ " ( سورة البقرة ).
إذن : فهناك فارق بين العطاءين : عطاء الربوبية وعطاء الألوهية، والإمامية في منهج الله، فعطاء الربوبية رزق يساق للجميع وخاضع للأسباب، فمن أخذ بأسبابه نال منه ما يريد، أما عطاء الألوهية فتكليف وطاعة وعبادة.
يقول تعالى :
من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيبٍ " ٢٠ " ( سورة الشورى ).

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير