وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَغَيْرُهُمْ. يَعْنُونَ صَرِيفَ الْقَلَمِ بِكِتَابَةِ التَّوْرَاةِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا قَالَ: أُدْخِلَ فِي السَّمَاءِ فَكُلِّمَ، وَعَنْ مجاهد نَحْوَهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ: وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا قَالَ: نَجَا بِصِدْقِهِ (١)
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ أَبِي الْوَصْلِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَب، عن عمرو بن معد يكرب قَالَ: لَمَّا قَرَّبَ اللَّهُ مُوسَى نَجِيًّا بِطُورِ سَيْنَاءَ، قَالَ: يَا مُوسَى، إِذَا خَلَقْتُ لَكَ قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَزَوْجَةً تُعِينُ عَلَى الْخَيْرِ، فَلَمْ أُخَزِّنْ عَنْكَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا، وَمَنْ أُخَزِّنُ عَنْهُ هَذَا فَلَمْ أَفْتَحْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا.
وَقَوْلُهُ: وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا أَيْ: وَأَجَبْنَا سُؤَالَهُ وَشَفَاعَتَهُ فِي أَخِيهِ، فَجَعَلْنَاهُ نَبِيًّا، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ [الْقَصَصِ: ٣٤]، وَقَالَ (٢) :قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى [طَهَ: ٣٦]، وَقَالَ: فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ. وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ [الشُّعَرَاءِ: ١٣، ١٤] ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَا شُفِّعَ أَحَدٌ فِي أَحَدٍ شَفَاعَةً فِي الدُّنْيَا أَعْظَمُ مِنْ شَفَاعَةِ مُوسَى فِي هَارُونَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّة، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ: وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا، قَالَ: كَانَ هَارُونُ أَكْبَرَ مِنْ مُوسَى، وَلَكِنْ أَرَادَ: وَهَبَ لَهُ نُبُوَّتَهُ.
وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مُعَلَّقًا، عَنْ يَعْقُوبَ وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، بِهِ.
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) .
هَذَا (٣) ثَنَاءٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَهُوَ وَالِدُ عَرَبِ الْحِجَازِ كُلِّهِمْ بِأَنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ
قَالَ (٤) ابْنُ جُرَيْجٍ: لَمْ يَعدْ رَبَّهُ عِدَةً إِلَّا أَنْجَزَهَا، يَعْنِي: مَا الْتَزَمَ قَطُّ عِبَادَةً (٥) بِنَذْرٍ إِلَّا قَامَ بِهَا، وَوَفَّاهَا حَقَّهَا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ سَهْلَ بْنَ عَقِيلٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ إِسْمَاعِيلَ النَّبِيَّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَدَ رَجُلًا مَكَانًا أَنْ يَأْتِيَهُ، فَجَاءَ وَنَسِيَ الرَّجُلُ، فَظَلَّ بِهِ إِسْمَاعِيلُ وَبَاتَ حَتَّى جَاءَ الرَّجُلُ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ: مَا بَرِحْتَ مِنْ هَاهُنَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: إِنِّي نَسِيتُ. قَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأَبْرَحَ حَتَّى تَأْتِيَنِي. فلذلك كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ.
(٢) في ت، ف: "إلى أن قال".
(٣) في أ: "وهذا".
(٤) في ت: "قالت".
(٥) في ف، أ: "عبادة قط".
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّهُ أَقَامَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ يَنْتَظِرُهُ حَوْلًا حَتَّى جَاءَهُ.
وَقَالَ ابْنُ (١) شَوْذَب: بَلَغَنِي أَنَّهُ اتَّخَذَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ سَكَنًا.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَرَائِطِيُّ فِي كِتَابِهِ "مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ" مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَان، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (٢) بْنِ مَيْسَرة، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ -يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقيق-عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَمْسَاءِ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ فَبَقِيَتْ لَهُ عَلَيَّ بَقِيَّةٌ، فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ بِهَا فِي مَكَانِهِ ذَلِكَ، قَالَ: فَنَسِيتُ (٣) يَوْمِي وَالْغَدَ، فَأَتَيْتُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَهُوَ فِي مَكَانِهِ ذَلِكَ، فَقَالَ لِي: "يَا فَتَى، لَقَدْ شَقَقْتَ (٤) عَلَيَّ، أَنَا هَاهُنَا مُنْذُ ثَلَاثٍ أَنْتَظِرُكَ" لَفْظُ الْخَرَائِطِيِّ (٥)، وَسَاقَ آثَارًا حَسَنَةً فِي ذَلِكَ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَنْده أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي كِتَابِ "مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ"، بِإِسْنَادِهِ (٦) عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَان، عَنْ بُدَيْل بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، بِهِ (٧).
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا قِيلَ لَهُ: صَادِقَ الْوَعْدِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لِأَبِيهِ: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصَّافَّاتِ: ١٠٢]، فَصَدَقَ فِي ذَلِكَ.
فَصِدْقُ الْوَعْدِ مِنَ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ، كَمَا أَنَّ خُلْفَه مِنَ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصَّفِّ: ٢، ٣] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ" (٨)
وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ صِفَاتُ الْمُنَافِقِينَ، كَانَ التَّلَبُّسُ بِضِدِّهَا مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِهَذَا أَثْنَى اللَّهُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ إِسْمَاعِيلَ بِصِدْقِ الْوَعْدِ، وَكَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَادِقَ الْوَعْدِ أَيْضًا، لَا يَعِدُ أَحَدًا شَيْئًا إِلَّا وَفَّى لَهُ بِهِ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ زَوْجِ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ، فَقَالَ: "حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي" (٩). وَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْخَلِيفَةُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عدَةٌ أَوْ دَيْن فَلْيَأْتِنِي أُنْجِزْ لَهُ، فَجَاءَهُ (١٠) جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَالَ: "لَوْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا"، يَعْنِي: مِلْءَ كَفَّيْهِ، فَلَمَّا جَاءَ مَالُ الْبَحْرِينِ أَمَرَ الصِّدِّيقُ جَابِرًا، فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ مِنَ الْمَالِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِعَدّه، فَإِذَا هُوَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَعْطَاهُ مِثْلَيْهَا مَعَهَا (١١)
وَقَوْلُهُ: وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا فِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى شَرَفِ إِسْمَاعِيلَ عَلَى أَخِيهِ إِسْحَاقَ؛ لِأَنَّهُ إنما
(٢) في سنن أبي داود: "بديل".
(٣) في ت: "نسيت".
(٤) في ت: "لو أشفقت".
(٥) سنن أبي داود برقم (٤٩٩٦) ومكارم الأخلاق برقم (١٧٧).
(٦) في ت، أ: "إنه بإسناده".
(٧) ورواه ابن الأثير في أسد الغابة (٣/١١٣) بإسناده إلى إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ مثله.
(٨) رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٣) ومسلم في صحيحه برقم (٥٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٩) رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٧٢٩) ومسلم في صحيحه برقم (٢٤٤٩) من حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه.
(١٠) في أ: "فجاء".
(١١) رواه البخاري في صحيحه برقم (٢٦٨٣) ومسلم في صحيحه برقم (٢٣١٤).
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة