وبعدما استعرض كتاب الله هذه المجموعة المختارة من الأنبياء والرسل من زكريا إلى إدريس كنموذج صالح للاقتداء والاتباع، منوها بنصر الله لهم ولدعوتهم، معرفا بقدرهم عنده ومكانتهم، أجمل كتاب الله القول مرة ثانية عن عموم الأنبياء، وأثنى على سلسلتهم الذهبية أعطر ثناء، فقال تعالى مشيرا إلى جنسهم على العموم : أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم [ الآية : ٥٨ ]، وكأنه يقول لخاتم الأنبياء والمرسلين نفس ما قاله له في آية أخرى : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [ الأنعام : ٩٠ ]. ثم مضى كتاب الله يقول في حقهم جميعا : وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً أي أنهم إذا سمعوا كلام الله في كتبه المنزلة، وتدبروا حججه البالغة، خشعت قلوبهم، واهتزت جوارحهم، فخروا على أذقانهم ساجدين لعظمة الله، باكين من خوف الله، قال ابن كثير : " فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجود هنا، اقتداء بهم، واتباعا لهم ".
ومن خلال ما ذكره كتاب الله في وصف أنبيائه ورسله الذين أنعم عليهم يتبين للمومن ما يرضى عنه ربه من الخصال الحميدة، وفي طليعتها إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأوصني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا على لسان عيسى عليه السلام، وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة في الحديث عن إسماعيل عليه السلام، والبرور بالوالدين : وبرا بوالديه في وصف يحيى عليه السلام، وبرا بوالدتي على لسان عيسى عليه السلام، والحنان والتواضع : وحنانا من لدنا ولم يكن جبارا عصيا في وصف يحيى عليه السلام، ولم يجعلني جبارا عصيا على لسان عيسى عليه السلام، والصدق والإخلاص : إنه كان صديقا نبيئا في وصف إبراهيم عليه السلام، إنه كان صادق الوعد في وصف إسماعيل عليه السلام، إنه كان مخلصا في وصف موسى عليه السلام.
فهذه بعض خصال الذين أنعم الله عليهم، ممن نسأل الله تعالى في " فاتحة الكتاب " عند كل صلاة أن يهدينا إلى سلوك طريقهم فنقول : اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري