الآية٥٨ : وقوله تعالى : أولئك الذين أنعم الله عليهم أي بالنبوة والرحمة التي ذكر في ما تقدم. والرحمة هي النعمة.
فهذا يرد قول أهل الاعتزال لأنهم يقولون : لا يخص الله أحدا بالنبوة أو بشيء من الأفضال إلا من يستحق ذلك، ويستوجبه. فأخبر الله عز وجل أن ذلك منه إنعام وإفضال عليهم.
[ وقوله تعالى ] (١) : من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم أيضا، ومن ذرية وإسرائيل أي يعقوب، ومن ذرية من هداه التوحيد، واجتباه للرسالة والنبوة، والله أعلم.
وقوله تعالى : إذا تتلى عليهم آيات الرحمان خروا سجدا وبكيا قال بعض أهل التأويل : هذا في مؤمني أهل الكتاب عبد الله ابن سلام وأصحابه إذا تتلى عليهم آيات القرآن بعد ما آمنوا خروا سجدا وبكيا .
ويشبه أن يكون هذا في أولئك [ الذين ] (٢)ذكر أنه أنعم عليهم، كانت لهم آيات في كتبهم، فيها سجود إذا تليت عليهم آيات الرحمان خروا لله سجدا وبكيا . أو أن يكون لا على حقيقة السجود، ولكن على الخضوع له، والقبول لحججه وبراهينه التي تليت عليهم. أو أن يكونوا لا يملكون أنفسهم إذا رأوا آيات الله وسلطانه، ولكن وقعوا سجدا(٣) على ما أخبر عن سحرة فرعون عند معاينتهم الآيات حين قال : فألقي السحرة سجدا [ طه : ٧٠، والشعراء : ٤٦ ] وقال(٤) : وألقي السحرة ساجدين [ الأعراف : ١٢٠ ] ليس أن سجدوا له، ولكن يلقون سجدا لما لا يملكون أنفسهم عند معاينتهم الآيات.
قال أبو عوسجة : وبكيا فيه ثلاث لغات : بُكِيًّا وبِكِيًّا وبَكِيًّا(٥)، وهو جماعة الباكي. وقوله : نجيا [ مريم : ٥٢ ] يقال : فلان نجي فلان، أي موضع [ سره ] (٦).
ويحتمل قوله : إذا تتلى عليهم آيات الرحمان خروا سجدا وبكيا أن يكون كناية عن الصلاة، وصفهم عز وجل أنهم كانوا يكونون في الصلاة خاشعين باكين.
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ من م، في الأصل: سجودا..
٤ في الأصل و. م: و..
٥ انظر معجم القراءات القرآنية ج٤/٥٠..
٦ ساقطة من الأصل و. م..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم