ﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸ

الْآيَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا . فِيهَا مَسْأَلَتَانِ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ : لَقَدْ كَادَ أَعْدَاءُ اللَّهِ أَنْ يُقِيمُوا عَلَيْنَا السَّاعَةَ بِقَوْلِهِمْ هَذَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا .
وَصَدَقَ، فَإِنَّهُ قَوْلٌ عَظِيمٌ سَبَقَ الْقَضَاءَ وَالْقَدْرَ، وَلَوْلَا أَنَّ الْبَارِئَ لَا يَضَعُهُ كُفْرُ الْكَافِرِ، وَلَا يَرْفَعُهُ إيمَانُ الْمُؤْمِنِ، وَلَا يَزِيدُ هَذَا فِي مُلْكِهِ، كَمَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ من مُلْكِهِ، مَا جَرَى شَيْءٌ من هَذَا عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَلَكِنَّهُ الْقُدُّوسُ الْحَكِيمُ الْحَلِيمُ، فَلَمْ يُبَالِ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا يَقُولُهُ الْمُبْطِلُونَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ ابْنَهُ.
وَوَجْهُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ من هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْوَلَدِيَّةَ وَالْعَبْدِيَّةَ فِي طَرَفَيْ تَقَابُلٍ، فَنَفَى إحْدَاهُمَا، وَأَثْبَتَ الْأُخْرَى، وَلَوْ اجْتَمَعَتَا لَمَا كَانَ لِهَذَا الْقَوْلِ فَائِدَةٌ يَقَعُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا، وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهَا، وَالتَّبَرِّي مِنْهَا ؛ وَلِهَذَا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ أَمَةَ الرَّجُلِ إذَا حَمَلَتْ فَإِنَّ وَلَدَهَا فِي بَطْنِهَا حُرٌّ لَا رِقَّ فِيهِ بِحَالٍ، وَمَا جَرَى فِي أُمِّهِ مَوْضُوعٌ عَنْهُ، وَلَوْ لَمْ يُوضَعْ عَنْهُ، فَلَا خِلَافَ فِي الْوَلَدِ، وَبِهِ يَقَعُ الِاحْتِجَاجُ.
وَإِذَا اشْتَرَى الْحُرُّ أَبَاهُ وَابْنَهُ عَتَقَا عَلَيْهِ، حِينَ يَتِمُّ الشِّرَاءُ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ :( لَنْ يَجْزِيَ وَالِدٌ وَلَدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ ). فَهَذَا نَصٌّ.
وَالْأَوَّلُ دَلِيلٌ من طَرِيقِ الْأَوْلَى ؛ فَإِنَّ الْأَبَ إذَا لَمْ يَمْلِكْ ابْنَهُ مَعَ عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ عَلَيْهِ فَالِابْنُ بِعَدَمِ مِلْكِ الْأَبِ أَوْلَى مَعَ قُصُورِهِ عَنْهُ، وَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مَمْلُوكٌ لِغَيْرِهِ، فَإِذَا أَزَالَ مِلْكَ الْغَيْرِ بِالشِّرَاءِ إلَيْهِ تَبْطُلُ عَنْهُ، وَعَتَقَ، وَالْتَحَقَ بِالْأَوَّلِ، وَفِي ذَلِكَ تَفْرِيعٌ وَتَفْصِيلٌ مَوْضِعُهُ شَرْحُ الْحَدِيثِ، وَمَسَائِلُ الْفِقْهِ، فَلْيُنْظَرْ فِيهَا.

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن العربي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير