قوله : يَتَخَافَتُونَ يجوزُ أن يكون مستأنفاً، وأن يكونَ حالاً ثانية من " المُجْرِمينَ " ١، وأن يكونَ حالاً من الضمير المستتر في " زرقاً " ٢ فتكون حالاً متداخلة٣، إذ هي حال ( من حال )٤. ومعنى " يَتَخَافَتُونَ " أي : يتشاوَرُونَ فيما بينهم، ويتكلمون خفية٥، يقال : خَفَتَ يَخْفِتُ، وخَافَتَ مُخَافَتَة٦، والتَّخافُت السرار نظيره قوله تعالى٧ : فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً ٨، وإنما يتخافتون، لأنه امتلأت صدورُهُمْ من الرعب والهول، أو لأنهم بسبب٩ الخوفِ صارُوا في نهاية الضعف فلا يطيقون الجهر١٠. وقوله : إن لَبِثْتُمْ ١١ هو مفعول المارة١٢، وقوله : إلاَّ عَشْراً يجوز أن يراد الليالي، وحذف التاء من العدد قياسي١٣. وأن يراد الأيام، فيُسْأَل لِمَ حذفت التاء ؟ فقيل١٤ : إنه إذا لم يذكر المميز في عدد المذكر جازت التاء وعدمها١٥، سمع من كلامهم : صُمْنَا من الشهر خَمْساً١٦، والصَّوْمُ إنما هو الأيام١٧، دون اللَّيالي. وفي الحديث " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وأتْبَعَهُ بستّ مِنْ شَوَّال " ١٨، وحسن الحذف هنا لكونه رأس آية وفاصلة١٩.
فصل٢٠
قال الحسن وقتادةَ والضحَّاك : أرادوا به٢١ اللبث في الدنيا، أي فما مكثتم في الدُّنْيَا إلا عشر ليال، واحتجُّوا بقوله تعالى : قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض عَدَدَ سِنِينَ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ٢٢ ٢٣
فإن قيل٢٤ : إما ( أن يقال )٢٥ : إنهم قد٢٦ نسَوا قدرَ لبثهم في الدنيا أو٢٧ ما نَسوا ذلك والأول غير جائز، إذ لو جاز ذلك لجاز أن يبقى الإنسان خمسين سنة في بلدة ثم يَنْسَى.
والثاني غير جائز، لأنه كذب، وأهل الآخرة لا يكذبون لا سيَّما وهذا الكذب لا فائدة فيه.
فالجواب من وجوه :
الأول : لعلَّهم إذا حُشِرُوا في أول الأمر وعاينوا تِلْكَ الأهوال وشدة وقعها ذهلوا عن مقدار عمرهم في الدُّنيا، ولم٢٨ يذكروا إلا القليل فقالوا : ليتَنا ما عِشْنَا إلا٢٩ تلك الأيام القليلة في الدنيا حتى لا نَقَع في هذه الأهوال، والإنسان قد يذهل عند الهول الشديد، وتمام تقريره مذكورة في سورة الأنعام في قوله تعالى٣٠ : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ٣١.
وثانيها٣٢ : أنهم عالِمون بمقدار عمرهم في الدنيا إلا أنَّهُم لمّا قَابَلُوا أَعْمَارَهُمْ في الدنيا بأعمارِ الآخرة وجدُوهَا في نهاية القلة، فقال بعضهم : ما لبثْنَا في الدنيا إلا عشرة أيام، وقال أعْقَلُهُمْ : ما لبثنا إلا يوماً واحداً، أي : قدر لبثنا في الدنيا بالقياس إلى قدر لبثنا في الآخرة كعشرة أيام بل كاليوم الواحد بل كالعدم، وإنما خصَّ العشرة والواحد٣٣ بالذكر، لأن القليل في أمثال هذه المواضع لا يعبر عنه إلا بالعشرة والواحد.
وثالثها٣٤ : أنهم لما عايَنُوا الشدائد تذكَّروا أيام النعمة٣٥ والسرور، وتأسفوا عليها، وصفوها بالقصر، لأن أيام السرور قصار.
ورابعها٣٦ : أن أيامَ الدنيا قد انقضت وأيام الآخرة مستقبلة، والذاهب وإن طالت مدته قليل٣٧ بالقياس إلى الآتي وإن قصرت مدته، فكيف والأمر بالعكس. ولهذه٣٨ الوجوه رجَّح الله تعالى قول مَنْ بالغ في التقليل٣٩ فقال : إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً . وقيل : المراد منه اللبث في القبر، ويؤيده قوله تعالى : وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ٤٠ وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم والإيمان٤١ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ الله إلى يَوْمِ البعث ٤٢.
( فأما من جوَّز الكذب على أهل القيامة فلا إشكال له في الآية )٤٣، أما من لم يجوزه قال : إن٤٤ الله تعالى لما أحْيَاهم في الفترة وعذَّبهم، ثم أماتهم ثم بعثهم٤٥ يوم القيامة لم يعرفوا مقدار لبثهم في القبر كم كان ؟ فخطر ببال بعضهم أنه في التقدير عشرة أيام.
وقال آخرون : إنه يوم واحد، فلمَّا وَقَعُوا في العذاب مرة أخرى استثقلوا زمانَ الموت الذي هو زمان الخلاص لِمَا نالهم من هول العذاب٤٦.
وقيل : المراد باللبث بين النفختين، وهو أربعون سنة، لأن العذاب يرفع عنهم بين النفختين، استقصروا مدة لبثهم لهول٤٧ ما عاينوا٤٨. والأكثرون على أنَّ قوله٤٩ : إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً أي عشرة أيام، فيكون قولُ مَنْ قال إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً أقل، وقال مقاتل : إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً أي ساعات، لقوله ( تعالى : كَأَنَّهُمْ )٥٠ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يلبثوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ٥١ وعلى هذا يكون اليوم أكثر٥٢.
٢ انظر التبيان ٢/٩٠٤..
٣ الحال المتداخلة: هي التي يكون صاحبها ضميرا في الحال الأولى..
٤ ما بين القوسين سقط من ب..
٥ في اللسان (خفت): وتخافت القوم إذا تشاوروا سرا، وفي التنزيل العزيز: يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا..
٦ في ب: يقال: خفت وخافة مخافة ومخفت. وهو تحريف..
٧ تعالى: سقط من ب..
٨ [طه: ١٠٨]..
٩ في ب: السبب..
١٠ انظر الرازي ٢٢/١١٥..
١١ في الأصل: "إن لبثتم إلا"..
١٢ في ب: المسارعة. وهو تحريف..
١٣ لأن العدد من ثلاثة إلى عشرة يذكر مع المؤنث، ويؤنث مع المذكر..
١٤ في ب: مذكر..
١٥ يؤنث العدد إذا كان المعدود مذكرا نحو: أربعة أيام وعشرة رجال. وإن كان المعدود محذوفا يجوز على الأفصح تأنيث العدد نحو: صمت خمسة، أي خمسة أيام. وترك التأنيث. وعلى قوله تعالى: أربعة أشهر وعشرا [البقرة: ٢٣٤] وحديث: "من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال" الهمع ٢/١٤٨..
١٦ حكاه الكسائي عن أبي الجراح. البحر المحيط ٦/٢٧٩، الهمع ٢/١٤٨، وهذا شاهد على جواز حذف التاء من العدد إذا كان المعدود مذكرا محذوفا..
١٧ في ب: وإنما الصوم للأيام..
١٨ أخرجه مسلم (صيام) ٢/٨٢٢، والترمذي (صوم) ٢/١٢٩ – ١٣٠، وابن ماجه (صيام) ١/٥٤٧، وأحمد ٥/٤١٧، ٤١٩..
١٩ البحر المحيط ٦/٢٧٩..
٢٠ فصل: سقط من ب..
٢١ في ب: إن أراد به. وهو تحريف..
٢٢ [المؤمنون: ١١٢، ١١٣]..
٢٣ انظر الفخر الرازي ٢٢/١١٥..
٢٤ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/١١٥ – ١١٦..
٢٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٦ قد: سقط من ب..
٢٧ في ب: و. وهو تحريف..
٢٨ في ب: وما. وهو تحريف..
٢٩ إلا: تكملة من الفخر الرازي..
٣٠ تعالى: سقط من ب..
٣١ [الأنعام: ٣٢]..
٣٢ في ب: الثاني..
٣٣ في ب: الواحد والعشرة..
٣٤ في الأصل: وثانيها. وفي ب: الثالث..
٣٥ في ب: تذكروا أعمال ذلك وأيام النعمة. وهو تحريف..
٣٦ في ب: الرابع..
٣٧ في ب: قليلة. وهو تحريف..
٣٨ في ب: وبهذه..
٣٩ في ب: التعليل..
٤٠ [الروم: ٥٥]..
٤١ "الإيمان": سقط من الأصل، وفي ب: وقال الذين أوتوا العلم والإيمان..
٤٢ [الروم: ٥٦]..
٤٣ ما بين القوسين سقط من ب..
٤٤ في ب: أما لمن لم يجوزه فإن..
٤٥ في ب: ثم أحياهم أعني ثم بعثهم..
٤٦ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/١١٥- ١١٦..
٤٧ في ب: طلبوا. وهو تحريف..
٤٨ انظر البغوي ٥/٤٥٧..
٤٩ في ب: طلبوا. وهو تحريف..
٥٠ ما بين القوسين سقط من ب..
٥١ [النازعات: ٤٦]..
٥٢ الفخر الرازي ٢٢/١١٦..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود