ﯡﯢﯣﯤ

قوله : واحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ، وذلك أن(١) موسى(٢) كان في حجر فرعون ذات يوم في صغره، فلطم فرعون لطمةً، وأخذ بلحيته، فقال فرعون لآسية امرأته : إن هذا عدوِّي وأراد أن يقتله، فقالت آسية : إنه صبي لا يَعْقِل ولا يميز جَرِّبْه إن شئت، فجاء بطشتين في أحدهما جمر، والآخر جوهر، فوضعهما بين يدي موسى، فأراد أن يأخذ الجوهر، فأخذ جبريل عليه السلام(٣) يد موسى(٤) فوضعها على النار، فأخذ جمرة فوضعها في فيه، فاحترق لسانه، ( وصارت عليه عقدة )(٥).
وقيل : قرَّبا إليه ثمرةً وجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها في فيه فاحترق لسانه(٦).
[ قالوا ](٧) : ولم تحترق اليد، لأنها آلة أخذ العصا(٨).
وقيل : كان ذلك التعقد(٩) خلقة فسأل الله تعالى إزالته(١٠). واختلفوا في أنه لِمَ طلب حل العقدة ؟ فقيل : لئلا يقع في خلل في أداء(١١) الوحي. وقيل : لئلا يستخف بكلامه(١٢) فينفروا عنه ولا يلتفتوا إليه. وقيل : لإظهار المعجزة كما أن حبس لسان(١٣) زكريا عن الكلام كان معجزاً في حقه، فكذا إطلاق لسان موسى -عليه السلام-(١٤) معجز في حقه(١٥).

فصل(١٦)


قال الحسن(١٧) : إن تلك العقدة زالت بالكلية، لقوله تعالى(١٨) :" قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى " (١٩)، وقيل : هذا ضعيف(٢٠)، لأنه عليه السلام(٢١) لم يقل : واحْلُلْ العقدة من لساني بل قال :" واحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي "، فإذا حل عقدة واحدة فقد آتاه الله(٢٢) سؤله، والحق أنه انحل أكثر العقد وبقي منها شيء لقوله حكاية عن فرعون " أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِين " مع بقاء قدر من الانعقاد في لسانه وأجيب(٢٣) عنه بوجهين :
أحدهما : أن المراد بقوله : وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ أي لا يأتي ببيان وحجة.
والثاني : أن ( كَادَ ) بمعنى قَرُبَ. فلو كَانَ المراد هو البيان اللساني، لكان معناه : أنه لا يقارب البيان، فكان فيه نفي البيان بالكلية، وذلك باطل، لأنه خاطب فرعون وقومه، وكانوا يفهمون، فكيف يمكن نفي البيان، بل إنما قالوا ذلك تمويهاً ليصرفوا الوجوه عنه(٢٤). واعلم(٢٥) أن(٢٦) النطق فضيلة عظيمة، ويدل عليه وجوه(٢٧) :
الأول : قوله تعالى : خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان (٢٨)، ولهذا قيل للإنسان : هو الحيوان الناطق.
الثاني : اتفاق العقلاء(٢٩) على تعظيم أمر(٣٠) اللسان قال زهير :
لِسَانُ الفَتَى نِصْفَ وَنصْفٌ(٣١) فؤاده فَلَمْ يَبْقَ إلاَّ صُورَةُ اللَّّحْمِ وَالدَّمِ(٣٢)
وقالوا(٣٣) : ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مرسلة(٣٤). أي لو ذهب النطق اللساني لم يبق من الإنسان إلا القدر الحاصل في البهائم.
وقالوا : المَرْءُ(٣٥) بأصغريه أي قلبِه ولسانِه.
وقالوا(٣٦) :" المَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ ".
الثالث : أن في مناظرة آدم -عليه السلام(٣٧)- مع الملائكة ما ظهرت الفضيلة إلا بالنطق حيث قال : يَآ آدَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إني أَعْلَمُ غَيْبَ السماوات والأرض (٣٨) (٣٩).
قوله :" مِنْ لِسَانِي " يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل " عُقْدَة " أي : من عقد لساني، ولم يذكر الزمخشري غيره(٤٠). ويجوز أن يتعلق بنفس " احلُلْ " (٤١)، والأول أولى.
١ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٤٢٠ – ٤٢١..
٢ في ب: موسى عليه الصلاة والسلام..
٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤ في ب: موسى عليه الصلاة والسلام..
٥ آخر ما نقله عن البغوي ٥/٤٢٠ – ٤٢١..
٦ انظر الفخر الرازي ٢٢/٤٧..
٧ ما بين القوسين سقط من ب..
٨ انظر الفخر الرازي ٢٢/٤٧..
٩ في ب: العقد. وهو تحريف..
١٠ انظر الفخر الرازي ٢٢/٤٧..
١١ في ب: أدائه. وهو تحريف..
١٢ في الأصل: في كلامه. وهو تحريف..
١٣ لسان على هامش الأصل، وسقط من ب..
١٤ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٥ انظر الفخر الرازي ٢٢/٤٨..
١٦ في ب: فإن قيل..
١٧ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٤٨. بتصرف يسير..
١٨ تعالى: سقط من ب..
١٩ [طه: ٣٦]..
٢٠ ضعيف: سقط من الأصل..
٢١ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢٢ في ب: الله تعالى..
٢٣ [الزخرف: ٥٢]..
٢٤ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٤٨. بتصرف يسير..
٢٥ في ب: فصل واعلم..
٢٦ من هنا ما نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢/٤٦..
٢٧ في ب: وجه. وهو تحريف..
٢٨ [الرحمن: ٣، ٤]..
٢٩ في ب: العلماء العقلاء..
٣٠ أمر: سقط من ب..
٣١ ونصف: سقط من ب..
٣٢ البيت من بحر الطويل قاله زهير وهو في جمهرة أشعار العرب ١/٣٠٠، والبيان و التبيين ١/١٧١ ونسبة الجاحظ إلى الأعور الشني، والفخر الرازي ٢٢/٤٦. واستشهد به على عظم أمر اللسان.
.

٣٣ في الفخر الرازي: وقال علي..
٣٤ في ب: مرسل. وهو تحريف..
٣٥ في الأصل: الإنسان..
٣٦ في الفخر الرازي : وقال صلى الله عليه وسلم..
٣٧ عليه السلام سقط من ب..
٣٨ [البقرة: ٣٣]..
٣٩ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٤٦. بتصرف..
٤٠ الكشاف ٢/٤٣٢..
٤١ ونسبه أبو حيان إلى الحوفي البحر المحيط ٦/٣٣٩، وجوز أبو البقاء الوجهين التبيان ٢/٨٨٩..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية