ﯯﯰ

فاختار أخاه هارون ليعينه في مهمة الرسالة.
ثم أوضح العلة في ذلك، فقال في آية أخرى : وأخي هارون هو أفصح مني لسانا.. ( ٣٤ ) ( القصص ) :
وهكذا يتكامل موسى وهارون ويعوض كل منهما النقص في أخيه. ويقال : إن هارون – عليه السلام – كان يمتاز على موسى في أمور أخرى، فكان به لين وحلم، وكان موسى حادا سريع الغضب، فكان هارون للين، وموسى للشدة.
ويتضح هذا حينما عاد موسى إلى قومه، وقد تركهم في صحبة أخيه هارون فعبدوا العجل فاشتد غضبه، كما قال تعالى : ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا.. ( ١٥٠ ) ( الأعراف ) :
ثم احتد على أخيه، وجذبه من ذقنه، وظهرت حدته. وقسوته. فماذا قال هارون ؟ قال ابن أم.. ( ١٥٠ ) ( الأعراف ) : ليستعطفه ويذكره برأفة الأم وحنانها لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي.. ( ٩٤ ) ( طه )، كأنه يقول لأخيه : اضربني كما تريد، لكن لا تروعني في لحيتي، وفي رأسي.
إذن : فالفصاحة في هارون تجبر العقدة في لسان موسى، واللين يجبر الشدة والحدة، وأيضا فإن موسى – عليه السلام – كان أسمر اللون، أجعد الشعر، أقنى١الأنف، أما هارون فكان أبيض اللون، مرسل الشعر، وسيم التقاطيع والملامح، ترتاح له الأبصار، فمن لم يرتح لموسى ارتاح لهارون.
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن ينزل الوحي عليه في صورة دحية٢الكلبي، وكان – رضي الله عنه – وسيما، ترتاح العين لرؤيته، فكان جبريل – عليه السلام – ينزل عليه في هذه الصورة ليؤنسه.
وموسى – عليه السلام – مع ما تميز به أخوه هارون عليه من هذه الصفات لم يحقد على أخيه، ولم ينظر إليه على أنه أفضل منه، إنما جعل صفات أخيه مكملة لصفاته، والجميع من أجل أداء الرسالة وتبليغها على وجهها الأكمل، فلم ينظر إلى نفسه ونجاحه هو، وإنما إلى نجاح المهمة التي كلفه الله بها.
ويجب أن يشيع هذا الخلق بين الناس، فإن رأيت خصلة خير في غيرك، أو وجها من وجوه الكمال في غيرك، فاحمد الله عليها، واعلم أنها سيعود عليك نفعها، وستجبر ما عندك من نقص فلا تحقد عليه ؛ لأنه سيتحمل ما فيك من قصور، وتنتفع أنت بخيره.

١ قنى الأنف قنا: ارتفع وسط قصبة الأنف وضاق منخراه، فهو أقنى، وهي قنواء. (المعجم الوجيز – مادة: قنا)..
٢ صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق وكان يضرب به المثل في حسن الصورة وكان جبريل ينزل على صورته وشهد اليرموك، وقد نزل دمشق وسكن المزة وعاش إلى خلافة معاوية. (الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني ٢ / ١٦٢)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير