٧- تأكيد بيان الجزاء في الدنيا والآخرة لمن أعرض عن القرآن، بالعيشة الضنك في الدنيا، والعمى في الآخرة عن الحجة المنقذة من العذاب [١٢٤- ١٢٧].
٨- العظة والاعتبار بهلاك الأمم السابقة وتأخير عذاب المشركين إلى يوم القيامة [١٢٨- ١٢٩].
٩- توجيهات ربانية للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأمته في الصبر على الأذى، وتنزيه الله تعالى في الليل والنهار، وعدم الافتتان بزهرة الحياة الدنيا لدى الآخرين، وأمر الأهل بإقامة الصلاة ومتابعة التنفيذ [١٣٠- ١٣٢].
١٠- طلب المشركين إنزال آيات مادية من الله، وإعذارهم بعد إرسال الرسول وإنزال القرآن، ثم وعيدهم بالعذاب المنتظر يوم القيامة [١٣٣- ١٣٥].
القرآن سبب السعادة
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤)الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨)
الإعراب:
طه، ما أَنْزَلْنا.. إِلَّا تَذْكِرَةً ما أنزلنا: إما جواب القسم لأن قوله تعالى: طه جار مجرى القسم، وإما أن يكون طه بمعنى: يا رجل، أي يا رجل ما أنزلنا عليك القرآن صفحة رقم 176
لتشقى، ولام لِتَشْقى لام النفي، أو لام الجحود. وتَذْكِرَةً منصوب على الاستثناء المنقطع.
تَنْزِيلًا منصوب على المصدر. الرَّحْمنُ مبتدأ، أو مرفوع على المدح أي هو الرحمن. وعَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى خبران للمبتدأ.
يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى أي وأخفى من السر، كقولهم: الله أكبر، أي أكبر من كل شيء.
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ... اللَّهُ مبتدأ مرفوع، أو بدل من ضمير يَعْلَمُ وخبر المبتدأ:
جملة: لَهُ الْأَسْماءُ.
البلاغة:
مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ التفات من ضمير التكلم إلى الغيبة، تفننا في الكلام، وتفخيما للمنزل من وجهين: إسناد إنزاله إلى ضمير الواحد العظيم الشأن، والتنبيه على أنه واجب الإيمان به.
المفردات اللغوية:
طه هذه الحروف المقطعة نزلت للتنبيه والتحدي بإعجاز القرآن البياني، ما دام مركبا من الحروف التي تتكون منها لغة العرب نفسها. أو هو اسم من أسماء النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، أو معناه:
يا رجل، كما روي عن ابن عباس وكبار جماعة التابعين.
ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ يا محمد لِتَشْقى لتتعب بما فعلت بعد نزوله من طول قيامك بصلاة الليل، أي خفف عن نفسك. إِلَّا تَذْكِرَةً لكن أنزلناه للتذكير والعظة لمن يخشى؟
لمن يخاف الله. الْعُلى جمع عليا، مؤنث الأعلى، كالكبرى مؤنث الأكبر.
الْعَرْشِ في اللغة: سرير الملك، وهو هنا كناية عن الملك، أو هو مخلوق الله أعلم به، وهذا هو الأصح. اسْتَوى استولى عليه، بدليل قول الشاعر:
| استوى بشر على العراق | من غير سيف ودم مهراق |
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ في ذكر أو دعاء، فالله غني عن الجهر به. وَأَخْفى من السر، وهو حديث النفس والخاطر الذي يدور في الذهن، دون التفوه به، فلا تجهد نفسك بالجهر. لَهُ الْأَسْماءُ الصفات والأسماء التسعة والتسعون الوارد بها الحديث. والحسنى: مؤنث الأحسن. والذي صفحة رقم 177
فضلت به أسماؤه في الحسن على سائر الأسماء: دلالتها على معاني التقديس والتمجيد والتعظيم والربوبية والأفعال التي هي النهاية في الحسن، كما قال الزمخشري.
سبب النزول:
قال مقاتل: قال أبو جهل، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، ومطعم بن عدي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنك لتشقى حيث تركت دين آبائك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «بل بعثت رحمة للعالمين»
قالوا: بل أنت تشقى، فأنزل الله الآية ردا عليهم، وتعريفا لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن دين الإسلام هو سبب كل سعادة، وما فيه المشركون هو الشقاء بعينه.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أول ما أنزل الله عليه الوحي يقوم على صدور قديمه إذا صلى، فأنزل الله: طه، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى.
التفسير والبيان:
طه هذه الحروف المقطعة التي يبتدأ بها في أوائل السورة لتنبيه المخاطب إلى ما يلقى بعدها، ولتحدي العرب بالإتيان بمثل القرآن، ما دام مركبا من حروف اللغة التي ينطقون بها ويكتبون. وقيل: هو اسم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومعناه: طأ الأرض يا محمد، قال ابن الأنباري: وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتحمل مشقة الصلاة، حتى كادت قدماه تتورمان، ويحتاج إلى التروح، فقيل له: طأ الأرض، أي لا تتعب نفسك في الصلاة جدا، حتى تحتاج إلى المراوحة بين قدميك.
ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى، إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى أي لم ننزل القرآن عليك لتتعب نفسك بسبب تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وفرط تحسرك على أن يؤمنوا، فإن إيمانهم ليس إليك، بل أنزلناه لتبلغ وتذكر، فحسبك التبليغ
والتذكير، ولا تلتفت بعدئذ لإعراض المعاندين، ولا ترهق نفسك وتتعبها بحملهم على قبول دعوتك.
ونظير الآية قوله تعالى: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف ١٨/ ٦]. فقوله: لِتَشْقى لتتعب بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسرك على أن يؤمنوا.
روى جويبر عن الضحاك قال، ومعه مقاتل: لما أنزل الله القرآن على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، قام به هو وأصحابه، فقال المشركون من قريش: ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى، فأنزل الله تعالى: طه، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى، إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى فليس الأمر كما زعمه المبطلون، بل من آتاه الله العلم، فقد أراد به خيرا، كما
ثبت في الصحيحين عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين».
وما أنزلناه إلا تذكرة لتذكر به من يخاف عذاب الله، وينتفع بما سمع من كتاب الله الذي جعلناه رحمة ونورا ودليلا إلى الجنة، وليس عليك جبرهم على الإيمان، إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [الشورى ٤٢/ ٤٨]، ولَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية ٨٨/ ٢٢].
وفي هذا إيناس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على إعراض قومه عن دعوته، وضيق نفسه من تصميمهم على الكفر.
روى الحافظ أبو القاسم الطبراني عن ثعلبة بن الحكم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يقول الله تعالى للعلماء يوم القيامة، إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده: إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي».
وكلمة إِلَّا في الآية: إما استثناء منقطع بمعنى: لكن، أو متصل
والتقدير: ما أنزلنا عليك القرآن لتحمل متاعب التبليغ إلا ليكون تذكرة.
وإنما خص لِمَنْ يَخْشى بالتذكرة لأنهم المنتفعون بها، وإن كان القرآن عاما في الجميع، وهو كقوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة ٢/ ٢]. ودليل العموم قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان ٢٥/ ١].
ووجه التذكير بالقرآن: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعظهم به وببيانه.
تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى أي هذا القرآن الذي جاءك يا محمد نزل عليك تنزيلا من خالق الأرض والسموات العليا، والمراد بهما جهة السفل والعلو، الأرض بانخفاضها وكثافتها، والسموات في ارتفاعها ولطافتها.
والمراد بالآية: إخبار العباد عن كمال عظمة منزل القرآن، ليقدروا القرآن حق قدره.
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى أي ومنزل القرآن هو الرحمن المنعم بجلائل النعم ودقائقها، وهو الذي علا وارتفع على العرش، ولا يعلم البشر كيف ذلك، بل نؤمن به على طريقة السلف الصالح الذين يؤمنون بالصفات من دون تحريف ولا تأويل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل، فهو استواء يليق بجلال الله وعظمته، بلا كيف ولا انحصار، كقوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح ٤٨/ ١٠] لأن الله تعالى ليس بجسم ولا يشبه شيئا من الحوادث، والعرش:
شيء مخلوق، لا ندري حقيقته.
ويرى الخلف تأويل الصفات، فيراد بالاستواء: الاستيلاء والقهر والتصرف الكامل، والعرش: هو الملك، واليد: القدرة.
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى أي إن الله
منزل القرآن هو أيضا مالك السموات والأرض وما بينهما من الموجودات، ومالك كل سيء ومدبره، ومتصرف فيه، ومالك ما تحت التراب من شيء. فله الكون كله ملكا وتدبيرا وتصرفا.
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى أي إن تجهر بدعاء الله وذكره، فالله تعالى عالم بالجهر والسر، وما هو أخفى منه مما يخطر بالبال، أو يجري في حديث النفس، فالعلم بكل ذلك سواء بالنسبة لله عز وجل. والمعنى:
إن تجهر بذكر الله ودعائه، فاعلم أنه غني عن ذلك، فإنه يعلم السر وما هو أخفى من السر.
وأما إجراء الأدعية والأذكار على اللسان، فلمساعدة القلب على ذلك، ولتصور المعنى، وشغل الحواس بالمطلوب وصرفها عن التفكر في غير ذلك، كما قال تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً، وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ [الأعراف ٧/ ٢٠٥].
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى إن صفات الكمال المتقدمة هي لله المعبود الحق الذي لا إله غيره ولا رب سواه، وله أحسن الأسماء والصفات الدالة على كل الكمال والتقديس والتمجيد، وهي التسعة والتسعون التي ورد بها الحديث الصحيح، والتي تقدم ذكرها في سورة الأعراف [الآية: ١١٠] وله أيضا الأفعال الصادرة عن كمال الحكمة والصواب.
وبه يتبين أن هذه الآيات وصفت منزل القرآن على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنه خالق الأرض والسماء، وأنه الرحمن صاحب النعم، وأنه الذي استوى على العرش وصاحب التصريف في الكون، وأن له الكون كله ملكا وتدبيرا وتصرفا، وأنه العالم بكل شيء، سواء عنده السر والجهر، وأنه الله الذي لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى والصفات العليا والأفعال السديدة.
فهل بعد إيراد هذه الصفات من يدعي أن القرآن من عند غير الله، وهل يصح اتخاذ صنم من حجر أو خشب أو معدن شريكا لله؟
لذلك كله بادر عمر بن الخطاب في جاهليته بعقل متفتح إلى الإسلام والإيمان، لما قرأت عليه أخته هذه الآيات.
وقد نزلت سورة طه قبل إسلام عمر رضي الله عنه.
إسلام عمر:
روى ابن إسحاق في سيرته: أن عمر قبل إسلامه كان شديد العداوة للإسلام، وقد خرج في يوم متوشحا سيفه، يريد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلقيه نعيم بن عبد الله. فقال: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمدا هذا الصابئ، الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها فأقتله، فقال له نعيم:
والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض، وقد قتلت محمدا؟! أفلا ترجع إلى أهلك فتقيم أمرهم؟! فقال: وأي أهل بيني؟ قال: ختنك (زوج أختك) وابن عمك سعيد بن زيد، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما وتابعا محمدا على دينه، فعليك بهما.
قال: فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب بن الأرت، معه صحيفة فيها أول سورة يقرئهما إياها، فلما سمعوا حس عمر، تغيب خباب في مخدع لهما، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة، فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر قراءة خباب، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة (الكلام الخفي الذي لا يفهم) الذي سمعت؟
قالا له: ما سمعت شيئا، قال: بلى والله، لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على
دينه. وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها.
فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم، قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك.
ولما رأى عمر ما صنع، ندم وارعوى، وقال لأخته: أعطني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤونها آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمد.
فقالت له أخته: إنا نخشاك عليها، قال لها: لا تخافي، وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه، فقالت له: يا أخي، إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر.
فقام عمر واغتسل فأعطته الصحيفة وفيها طه فلما قرأ منها صدرا، قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلما سمع خباب خرج إليه، فقال له:
يا عمر، والله، إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس، وهو
يقول: «اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب»
فالله الله يا عمر، فقال عمر: دلني يا خباب على محمد حتى آتيه. فأسلم ورضي الله عنه.
هذا ما ذكره ابن إسحاق مطولا، وروى القصة بإيجاز الدارقطني في سننه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خرج عمر متقلدا بسيف فقيل له: إن ختنك وأختك قد صبوا «١»، فأتاهما عمر وعندهما رجل من المهاجرين يقال له خباب، وكانوا يقرءون طه فقال: أعطوني الكتاب الذي عندكم فأقرؤه- وكان عمر رضي الله عنه يقرأ الكتب- فقالت له أخته: إنك رجس ولا يمسه إلا
المطهرون، فقم فاغتسل أو توضأ، فقام عمر رضي الله عنه وتوضأ وأخذ الكتاب فقرأ طه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١- ليس إنزال القرآن العظيم لإتعاب النفوس وإضناء الأجسام، وإنما هو كتاب تذكرة ينتفع به الذين يخشون ربهم. وفي هذا رد على كفار قريش- كما تقدم في سبب النزول- الذين قالوا: ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى، فأنزل الله تعالى طه.
ويوضح ذلك ما قاله الكلبي: لما نزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوحي بمكة، اجتهد في العبادة، واشتدت عبادته، فجعل يصلي الليل كله زمانا حتى نزلت هذه الآية، فأمره الله تعالى أن يخفف عن نفسه، فيصلي وينام، فنسخت هذه الآية قيام الليل، فكان بعد هذه الآية يصلي وينام.
وهكذا لم يكن إنزال القرآن لإتعاب النفس في العبادة، وإذاقتها المشقة الفادحة، وإنما القرآن كتاب يسر، وما بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا بالحنيفية السمحة.
٢- الله تعالى منزل القرآن هو خالق الأرض والسموات العليا، وهو الرحمن المنعم بجلائل النعم ودقائقها الذي اعتلى عرشه، فكان مطلق التصرف في الخلق والكون، وله جميع ما في السموات وما في الأرض وما بينهما من الموجودات وما تحت الأرض من معادن وذخائر وأموال وغير ذلك، والأرضون سبع والسموات سبع أيضا، وهو العالم بكل شيء، يستوي عنده السر والجهر وما هو أخفى من السر، قال ابن عباس: السر: ما حدث به الإنسان غيره في خفاء، وأخفى منه:
ما أضمر في نفسه مما لم يحدث به غيره.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي