قوله : فَأُلْقِيَ السحرة سُجَّداً (١) لما ألْقَى ما في يمينه، وصار حيَّةً، وتلقف(٢) ما صنعوا، وظهر الأمر، خروا عند ذلك سجداً، لأنهم كانوا في أعلى طبقات السحر، فلما رأوا ما فعل(٣) موسى - عليه السلام(٤)- خارجاً عن صناعتهم عرفوا أنه ليس من السحر ألبتّة، روي أن رئيسهم قال : كُنَّا نغلِبُ الناسَ بالسحر، وكانت ( الآلات )(٥) تبقى علينا، فلو كان هذا سحراً فأيْنَ ما ألقيناه ؟ فاستدل بتغير أحوال الأجسام على الصانع القادر العالم، وبظهوره(٦) على يد موسى - عليه السلام(٧)- على كونه رسولاً صادقاً من عند الله فلا جرم تابوا وآمنوا وأتوا بما هو النهاية في الخضوع وهو السجود. قال الأخفش : إنهم في سرعة ما سجدوا كأنهم خروا. قال الزمخشري : ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم(٨) للكفر والحجود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين. روي أنهم لم يرفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة، والنار، ورأوا ثواب أهلها، وعن عكرمة : لما خروا سُجَّداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة(٩).
قال القاضي : هذا بعيد، لأنهم لو أراهم عياناً لصاروا ملجئين، وذلك لا يليق به(١٠) قولهم : إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا(١١) لِيَغْفِرَ لَنَا (١٢).
وأجيب : أنه(١٣) لما جاز لإبراهيم(١٤) مع(١٥) قطعه بكونه مغفوراً له أن يقول(١٦) : والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي (١٧) فلم لا يجوز في حق السحرة(١٨) ؟
قوله : آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى (١٩) احتج التعليمية(٢٠) بهذه الآية وقالوا(٢١) : إنَّهم آمَنُوا بالله الذي عرفوه من(٢٢) قِبَل هارون وموسى، وفي الآية فائدتان :
الفائدة(٢٣) الأولى : أنَّ فرعون ادَّعى الربوبية في قوله : أَنَا رَبُّكُمْ (٢٤). والإلهية في قوله : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي (٢٥) فلو(٢٦) قالوا : آمَنَّا بربِّ العالمين، لكان فرعون يقول : إنهم آمنوا بي لا بغيري، فلقطع هذه التهمة اختاروا هذه العبارة، ويدل عليه تقديمهم ذكر هارون على مُوسى، لأن فرعون كان يدعي ربوبية موسى ( بناء على أنه ربَّاه )(٢٧)، وقال : أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً (٢٨) فالقوم لما احترزوا على إيهامات ( فرعون قدموا ذكر هارون على موسى قطعاً لهذا الخيال.
الفائدة الثالثة : هي أنهم لما شاهدوا )(٢٩) ما خصهما الله تعالى به من المعجزات العظيمة(٣٠) والدرجات الشريفة قالوا : رَبِّ هَارُونَ وموسى (٣١).
٢ في ب: وتلقفت. وهو تحريف..
٣ في ب: ألقى..
٤ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٥ ما بين القوسين سقط من ب..
٦ في ب: وتحويلها وبظهورها..
٧ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٨ ي ب: حبالهم وعصيهم..
٩ لكشاف ٢/٤٤٠ – ٤٤١..
١٠ في ب: لهم. وهو تحريف..
١١ "بربنا": سقط من ب..
١٢ في ب: "لنا خطايانا" [طه: ٧٣]..
١٣ في الأصل: لأنه..
١٤ في ب: لإبراهيم عليه الصلاة والسلام..
١٥ في ب: مع كونه..
١٦ في ب: بقوله. وهو تحريف..
١٧ من قوله تعالى: والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين [الشعراء: ٨٢]..
١٨ آخر ما نقله عن الفخر الرازي ٢٢/٨٦..
١٩ في ب: قوله: برب العالمين. رب موسى وهارون} [الأعراف: ١٢١، ١٢٢]..
٢٠ من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢/٨٧. ولم أجد فيما رجعت إليه من كتب الفرق والمذاهب من ذكر التعليمية..
٢١ ي ب: وقال. وهو تحريف..
٢٢ من: سقط من ب..
٢٣ الفائدة: سقط من ب..
٢٤ في ب: أنا ربكم الأعلى [النازعات: ٢٤]..
٢٥ [القصص: ٣٨]..
٢٦ في ب: فلوا. وهو تحريف..
٢٧ ما بين القوسين في ب: كونه رباه..
٢٨ [الشعراء: ١٨]..
٢٩ ما بين القوسين سقط من ب..
٣٠ ي ب: من الوحي والمعجزات العظيمة..
٣١ آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢/٨٧..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود