ﮟﮠﮡﮢﮣﮤ

والعمل الصالح: ثُمَّ اهْتَدى معناه: ثم مشى في عقائد الشرع وشرائعه وأحكامه على طريق قويم، فلم يخالف الحق في شيء من المعتقدات.
عبادة اليهود العجل
ينحدر مستوى الفكر الإنساني أحيانا، فيؤله الطبيعة المخلوقة العاجزة أحيانا، أو يؤله الحجر والمعدن باتخاذ الأصنام والأوثان، أو يؤله الحيوان، كما فعل موسى السامري الذي اتخذ عجلا من ذهب، وجعله إلها أثناء غيبة موسى في الميقات المحدد لتكليم ربه، وكان موسى عليه السلام قد استخلف أخاه هارون عليه السلام على بني إسرائيل، فرضوا بعبادة العجل، وكانوا قد طلبوا من موسى عليه السلام أن يصنع لهم تمثالا ليعبدوه: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: ٧/ ١٣٨]. قال الله تعالى واصفا كيفية اتخاذ العجل إلها لدى نبي إسرائيل:
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٨٣ الى ٨٩]
وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤) قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧)
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً (٨٩)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [طه: ٢٠/ ٨٣- ٨٩].
تعجل موسى عليه السلام الذهاب إلى ميقات ربه حبا في مكالمته وإعطائه

(١) ما الذي دعاك إلى العجلة؟
(٢) ابتليناهم.
(٣) حزينا.
(٤) بقدرتنا.
(٥) أثقالا.
(٦) مجسّدا (أحمر من ذهب).
(٧) صوت كصوت البقر.

صفحة رقم 1541

الألواح، وسبق السبعين رجلا الذين صحبهم لهذه المهمة، فسأله ربه: ما الذي حملك على أن تسبق قومك بني إسرائيل، والمراد بهم النقباء السبعون؟ وكانت المواعدة بين الله وموسى أن يوافي موسى وجماعة من وجوه قومه إلى جبل الطور، فاختار منهم سبعين رجلا، فسار بهم، ثم عجّل في المسير من بينهم، شوقا إلى ربه، وسماع كلامه، لما قرب من جبل الطور.
وهذا الإنكار من الله لعجلة موسى إنكار للعجلة في ذاتها، لما فيها من عدم العناية بصحبه، وهو تعليم للأدب الرفيع في المصاحبة، وحسن المرافقة.
فأجاب موسى قائلا: هم أي النقباء المختارون بالقرب مني، واصلون بعدي، وما تقدمتهم إلا بخطىّ يسيرة، وسارعت إليك ربي لتزداد عني رضا، بمسارعتي إلى الوصول إلى مكان الموعد، امتثالا لأمرك، وشوقا إلى لقائك، أي أن موسى عليه السلام اعتذر عن الخطأ في اجتهاده. قال الله تعالى: إنا قد اختبرنا قومك بني إسرائيل من بعد فراقك لهم، وأضلهم موسى السامري، باتخاذهم العجل من ذهب إلها. فعاد موسى عليه السلام إلى قومه بني إسرائيل بعد انقضاء أربعين ليلة، شديد الغضب والأسف والحزن.
قال موسى لقومه: يا قوم أما وعدكم ربكم على لساني كل خير في الدنيا والآخرة، وحسن العاقبة، من إنزال كتاب التشريع العظيم، والنصر على عدوكم، وتملككم أرض الجبارين وديارهم، والثواب الجزيل في الآخرة لمن تاب وآمن وعمل صالحا، ثم اهتدى.
هل طال عليكم الزمان في انتظار وعد الله ونسيان نعمه، ولم يمض على ذلك من العهد غير أربعين يوما؟ بل أأردتم بصنيعكم هذا أن ينزل عليكم غضب ونقمة وعقوبة من ربكم؟ فأخلفتم موعدي، إذ وعدتموني أن تقيموا على طاعة الله عز

صفحة رقم 1542

وجل، إلى أن أرجع إليكم من جبل الطور، والمراد: هل طال العهد عليكم، فنسيتم أو أردتم المعصية فأخلفتم؟! أجابوه قائلين: ما أخلفنا عهدك ووعدك، باختيارنا وإرادتنا، بل كنا مضطرين إلى الخطأ، وذلك أننا حمّلنا أثقالا من زينة القوم، أي الأقباط المصريين، حين خرجنا من مصر معك، وأوهمناهم أننا نجتمع في عيد لنا أو وليمة، وسميت الحلي أوزارا، أي آثاما، لأنه لا يحل لهم أخذها.
فأخرج السامري لبني إسرائيل من الحلي الذهب الملقى في النار جسد عجل، لا روح ولا حياة فيه، له خوار العجول، بتصنيعه بطريقة فنية، حيث عمل فيه خروقا، وألقى فيه رملا من أثر جبريل الأمين، فكان إذا دخلت الريح في جوفه خار، والخوار: صوت البقر.
فقال السامري ومن فتن به لبني إسرائيل: هذا هو إلهكم وإله موسى، فاعبدوه، ولكن موسى نسي أن يخبركم أن هذا إلهكم، أفلا يعتبرون ويتفكرون في أن هذا العجل لا يجيبهم إذا سألوه، ولا يكلمهم إذا كلموه، ولا يقدر أن يدفع عنهم ضررا، أو يجلب لهم نفعا، فكيف يتوهم أنه إله؟!
عتاب موسى لهارون والسامري على تأليه العجل
اشتد غضب موسى عليه السلام على اتخاذ قومه العجل إلها من دون الله، فعاد بعد مكالمة ربه وتلقيه الألواح إلى قومه، فوبخهم واستهجن فعلهم، وعاتب أخاه هارون على سكوته على بني إسرائيل في عبادتهم العجل، وهدد موسى السامري بعقاب الله في الدنيا والآخرة، ونبذه من القوم، وألقى موسى عليه السلام العجل في البحر، وأعلن أن الله وحده هو الإله الحق، الذي وسع علمه السماوات والأرض،

صفحة رقم 1543

التفسير الوسيط

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر - دمشق
سنة النشر 1422
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية