ثم يخبر الحق – تبارك وتعالى – نبيه موسى – عليه السلام – بما كان من قومه بعد مفارقته لهم من مسألة عبادة العجل. قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ( ٨٥ ) .
الفتنة : ليست مذمومة في ذاتها ؛ لأن الفتنة تعني الاختبار، ونتيجته هي التي تحمد أو تذم، كما لو دخل التلميذ الامتحان فإن وفق فهذا خير له، وإن أخفق فهذا خير للناس، كيف ؟
قالوا : لأن هناك أشياء إن تحققت مصلحة الفرد فيها انهدمت مصلحة الجماعة، فلو تمكن التلميذ المهمل الكسول من النجاح دون مذاكرة ودون مجهود، فقد نال انتفاعا شخصيا، وإن كان انتفاعا أحمق، إلا أنه سيعطي الآخرين إشارة، ويوحي لهم بعدم المسئولية، ويفرز في المجتمع الإحباط والخمول، وكفى بهذا خسارة للمجتمع.
وقد جاءت الفتنة بهذا المعنى في قول الحق تبارك وتعالى : أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ( ٢ ) ( العنكبوت ).
إذن : لا بد من الاختبار لكي يعطى كل إنسان حسب نتيجته، فإن سأل سائل : وهل يختبر الله عباده ليعلم حالهم ؟ نقول : بل ليعلم الناس حالهم، وتتكشف حقائقهم فيعاملونهم على أساسها : هذا منافق، وهذا مخلص، وهذا كذاب، فيمكنك أن تحتاط في معاملتهم.
إذن : الاختبار لا ليعلم الله، ولكن ليعلم خلق الله.
أو : لأن الاختبار من الله لقطع الحجة على المختبر، كأن يقول : لو أعطاني الله مالا فسأفعل به كذا وكذا من وجوه الخير، فإذا ما وضع في الاختبار الحقيقي وأعطي المال أمسك وبخل، ولو تركه الله دون مال لقال : لو عندي كنت فعلت كذا وكذا.
فهناك علم واقع من الله، أو علم من خلق الله لكل من يفتن، فإن كان محسنا يقتدون به، ويقبلون عليه، ويحبونه ويستمعون إليه، وإلا انصرفوا عنه. فالاختبار - إذن - قصده المجتمع وسلامته.
وقد سمى الحق سبحانه ما حدث من بني إسرائيل في غياب موسى من عبادة العجل سماه فتنة، ثم نسبها إلى نفسه فتنا.. ( ٨٥ ) ( طه ) : أي : اختبرنا.
ثم يقول تعالى : وأظلهم السامري ( ٨٥ ) ( طه ) : أضلهم : سلك بهم غير طريق الحق، وسلوك غير طريق الحق قد يكون للذاتية المحضة، فيحمل الإنسان فيها وزر نفسه فقط، وقد تتعدى إلى الآخرين فيسلك بهم طريق الضلال، فيحمل وزره ووزر غيره ممن أضلهم.
وفي هذه المسألة يقول تعالى : ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم.. ( ٢٥ ) ( النحل )
مع أن الله تعالى قال في آية أخرى : ولا تزر وازرة وزر أخرى.. ( ١٨ ) ( فاطر ).
وهذه من المسائل التي توقف عندها بعض المستشرقين، محاولين اتهام القرآن وأسلوبه بالتناقض، وما ذلك منهم إلا لعدم فهمهم للغة القرآن واتخاذها صناعة لا ملكة، ولو فهموا القرآن لعلموا الفرق بين أن يضل الإنسان في ذاته، وبين أن يتسبب في إضلال غيره.
والسامري١ : اسمه موسى السامري، ويروى أن أمه وضعته في صحراء لا حياة فيها، ثم ماتت في نفاسها، فظل الولد بدون أم ترعاه، فكان جبريل عليه السلام يتعهده ويربيه إلى أن شب٢.
وقد عبر الشاعر عن هذه اللقطة وما فيها من مفارقات بين موسى عليه السلام وموسى السامري، فقال :
إذا لم تصادف في بنيك عناية****فقد كذب الراجي وخاب المؤمل
فموسى الذي رباه جبريل كافر****وموسى الذي رباه فرعون مرسل
٢ قال ابن عباس: في قوله تعالى عن السامري: قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول..................... (٩٦) (طه): (عرف السامري جبريل، لأن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه، فكان جبريل يأتيه فيغذوه بأصابعه، في واحدة لبنا، وفي الأخرى عسلا، وفي الأخرى سمنا، فلم يزل يغذوه حتى نشأ، فلما عاينه في البحر عرفه)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي