تمهيد :
تحكي هذه الآيات جهود هارون وموسى عليهما السلام ؛ فقد نصح هارون قومه بالثبات على الحق، فلم ينتصحوا ؛ فهم قوم جاوروا الوثنية وعبادة عجل أبيس ؛ فما إن رأوا عجلا جسدا له خوار ؛ حتى عادوا إلى الوثنية، وتحكي لوم موسى لهارون، وتلطف هارون في الاعتذار له، ومناقشة موسى للسامريّ، وشرح السامري لموقفه ؛ ثم دعاء موسى على السامريّ أن يعيش وحيدا طريدا، ثم تحريق العجل وإلقاء الرماد في اليمّ ؛ ليقتلع عبادته وحبّه من قلوب بني إسرائيل، الذين ألفوا الوثنية، حتى إنهم بعد أن فرق الله بهم البحر، ونجاهم من البحر، ومن فرعون وإذلاله لهم، وجدوا قوما يعبدون أصناما، فاقترحوا على موسى أن يجعل لهم صنما مثلهم ليعبدوه، فاستنكر موسى قولهم، وذكرهم بالله، الذي فضلهم على عالمي زمانهم، وذلك لإيمانهم بالله واتباعهم التوراة، فلما ضلّوا وأضلّوا ؛ فقدوا هذا التفضيل.
٩٣، ٩٢- قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلّوا. ألاّ تتّبعن أفعصيت أمري .
يفيد السياق : أن موسى عاد من مناجاته لله، غاضبا أسفا حزينا وكان قد استخلف هارون على قومه، فاتجه موسى إلى هارون ولامه وأنّبه، حيث إنه لم يتّخذ وقفا حاسما من الذين عبدوا العجل، فلم يقاتلهم مثلا، ولم يعتزلهم ؛ بل استمرّ مقيما معهم، وأمسك موسى بشعر لحية هارون، وبشعر رأسه، في حدة وصرامة وانفعال، يريد أن يلومه ويؤنبه وينكر عليه، ويقول له : ما منعك حين رأيت كفرهم وضلالهم، أن لا تتبعني في الغضب لله، والإنكار عليهم، والزجر لهم عن الضلال.
أفعصيت أمري .
أخالفتني وتركت أمري ووصيتي ؟ ! يشير إلى نصيحته السابقة له التي حكاها القرآن الكريم :
وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في أمري وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين . ( الأعراف : ١٤٢
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة