فقال تعالى : بسم الله الرحمان الرحيم :
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ
قلت : وهم : مبتدأ، و في غفلة : خبر، و معرضون : خبر بعد خبر، والجملة : حال من الناس.
يقول الحقّ جلّ جلاله : اقتربَ للناس حسابُهُم أي : قَرُبَ قيام الساعة التي هي محل حسابهم. قال ابن عباس :" المراد بالناس : المشركون " وهو الذي يُفصح عنه ما بعده، ولم يقل تعالى :" اقترب حساب الناس "، بل قدّم لام الجر على الفاعل ؛ للمسارعة إلى إدخال الروعة، فإن نسبة الاقتراب إليهم من أول الأمر مما يسوؤهم ويورثهم رهبة وانزعاجًا، كما أن تقديم اللام في قوله تعالى : خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً [ البَقَرَة : ٢٩ ] ؛ لتعجيل المسرة ؛ لأن كون الخلق لأجل المخاطبين مما يسرهم ويزيدهم رغبة وشوقًا إليه تعالى.
وفي إسناد الاقتراب إلى الحساب المنبئ عن التوجه نحوهم، مع صحة إسناد الاقتراب إليهم بأن يتوجهوا نحوه، من تفخيم شأنه، وتهويل أمره، ما لا يخفى، لِمَا فيه من تصويره بشيء مقبل عليهم، لا يزال يطلبهم حتى يصيبهم لا محالة. ومعنى اقترابه : دنوه منهم شيئًا فشيئًا حتى يلحقهم ؛ لأن كل آت قريب، أي : دنا حساب أعمالهم السيئة الموجبة للعقاب.
وهم في غفلةٍ تامة منه، ساهون بالمرة عنه، غير ذاكرين له، لا أنهم غير مبالين به، مع اعترافهم بإتيانه، بل هم منكرون له، كافرون به، معرضون عن الآيات والنُذر المنبهة لهم عن سِنة الغفلة.
قال القشيري : ويقال : الغفلة على قسمين ؛ غافلٍ عن حسابه ؛ لاستغراقه في دنياه، وغافلٍ عن حسابه ؛ لاستهلاكه في مولاه، فالغفلة الأولى سِمَةُ الهجر، والثانية صِفَةُ الوصل، فالأولون لا يستفيقون من غفلتهم إلا في عسكر الموتى، وهؤلاء لا يرجون عن غيبتهم أبَدَ الأبد ؛ لفنائهم في وجود الحق. هـ.
قلت : القسمة ثلاثية : قوم غفلوا عن حسابهم ؛ لاشتغالهم بحظوظهم وهواهم، وهم : الغافلون الجاهلون، وقوم ذكروا حسابهم، وجعلوه نصب أعينهم، وتأهبوا له، وهم : الصالحون والعباد والزهاد، وقوم غفلوا عنه، وغابوا عنه ؛ لاستغراقهم في شهود مولاهم، وهم : العارفون المقربون. جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي