بسم الله الرحمان الرحيم
والاقتراب : إما أن يكون زمنا أو مكانا، فإذا كانت المسألة في مسافات قلنا : اقترب للناس حسابهم يعني مكانه. وإذا كانت للزمن قلنا : اقترب زمنه. فالاقتراب : دنو الحدث من ظرفيه زمانا أو مكانا.
والحق سبحانه حينما يعبر بالماضي اقترب.. ( ١ ) ( الأنبياء ) : يدل على أن ذلك أمر لازم وسيحدث ولا بد، والبشر حينما يتحدثون عن أمر مقبل يقولون : يقترب لا اقترب ؛ لأن اقترب هكذا بالجزم والحكم بأنه حدث فعلا لا يقولها إلا الله الذي يملك الأحداث ويقدر عليها، أما الإنسان فلا يملك الأحداث، ولا يستطيع الحكم على شيء لا يملكه بعد أن يتلفظ بهذا اللفظ.
ومثال ذلك في قوله تعالى : أتى أمر الله فلا تستعجلوه.. ( ١ ) ( النحل ) : فأتى تعني أن الأمر حدث قبل أن يتكلم، والأمر ما زال مستقبلا بدليل قوله : فلا تستعجلوه.. ( ١ ) ( النحل ) : فلا يقال لك : لا تستعجل شيئا إلا إذا كان لم يحدث بعد. فكيف – إذن – جمع بين الماضي أتى.. ( ١ ) ( النحل ) : والمستقبل فلا تستعجلوه.. ( ١ ) ( النحل ) ؟.
قالوا : أنت ممنوع أن تحكم بمضي على أمر مستقبل، لأنك لا تملك نفسك، ولا تملك ظروف المستقبل، كما في قوله تعالى : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا ( ٢٣ ) إلا أن يشاء الله.. ( ٢٤ ) ( الكهف ).
لا بد أن تردف هذا القول بالمشيئة، لأن قولك :( سأفعل ذلك غدا ) قضية لها عناصر : الفاعل أنت والمفعول به والزمن غدا، والسبب الذي يدعوك للفعل والقدرة التي تعينك أن تفعل.
وهذه كلها عناصر لا تملك أنت شيئا منها، وربما جاء غد فتغير عنصر من هذه العناصر، وحال بينك وبين ما تريد، فينبغي أن تبرئ نفسك من احتمال الكذب فتقول : إن شاء الله وترد الأمر إلى القادر عليه الذي يملك كل هذه العناصر، وكأن ربك يعلمك ألا تكون كاذبا.
لذلك نجد أن اللغة قد راعت قدرة المتكلم، ووضعت له الزمن المناسب، فإن علمت حدوث الفعل قل بالماضي : حضر فلان، انتهت القضية، فإن علمت أنه توجه للحضور واستعد له قل : سيحضر فلان أي قريبا، أو سوف يحضر أي : بعد ذلك.
هذا الذي يناسب قدرة البشر. أما الحق سبحانه فيملك زمام الأشياء وتوجيهها، وكل شيء مرهون بأمره التكويني، فإن قال للأمر المستقبل : أتى أو اقترب فصدق ؛ لأنه لا شيء يخرج الأمر عن مراده تعالى، وهو وحده الذي يملك الانفعال لكلمة كن، فإن قالها فقد انتهت المسألة.
لذلك يقول سبحانه : اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ.. ( ١ ) ( الأنبياء ) : بصيغة الماضي ولم يقل : يقترب أو سيقترب ؛ لأن المتكلم هو الله.
وقد ورد الماضي ( اقترب ) أيضا في قوله تعالى : اقتربت الساعة وانشق القمر ( ١ ) ( القمر ).
وفي قوله تعالى : واسجد واقترب ( ١٩ ) ( العلق ) : فاقترب غير قرب، قرب : يعني دنا، أما اقترب أي : دنا جدا حتى صار قريبا منك.
والحساب : كلمة تطلق إطلاقات عدة، فالحساب أن تحسب الشيء بالأعداد جمعا، أو طرحا، أو ضربا، وتدير حصيلة لك أو عليك، فإن كانت لك فأنت دائن، وإن كانت عليك فأنت مدين. أو تربط المسببات بأسبابها.
وهناك أمور تأتي بغير حساب، كما قال تعالى : إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ( ٣٧ ) ( آل عمران ). فهذه مسألة لا تستطيع ضبطها، والله لا يسأل : أعطاني زيادة أم نقصانا.
أما الحساب في اقترب للناس حسابهم.. ( ١ ) ( الأنبياء ) : فيقتضي محاسبا هو الله عز وجل، ومحاسبا هم الناس، ومحاسبا عليه وهي الأعمال والأحداث التي أحدثوها في دنياهم، وهذه قسمان : قسم قبل أن يكلفوا، وقسم بعد أن كلفوا.
ماذا كان قبل التكليف وسن البلوغ لا يحاسبنا الله عليه، إنما تركنا نمرح ونرتع في نعمه سبحانه دون أن نسأل عن شيء، أما بعد البلوغ فقد كلفنا بأشياء تعود علينا بالخير، وألزمنا المنهج الذي يضمن سعادتنا ( بافعل ) و ( لا تفعل ) وهذا يقتضي أن نحاسب، فعلنا، أم لم نفعل.
إذن : المسألة حساب، ليست جزافا : جماعة في الجنة وجماعة في النار، وقوله سبحانه في الحديث القدسي :( هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي )١بناء على علمه تعالى بما يؤدونه وقت الحساب، ففي علم الله ما فعلوا وما تركوا.
ولا تنس أن المحاسب في هذا الموقف هو الله، فإن كان الحساب في الخير عاملك بالفضل والزيادة كما يشاء سبحانه ؛ لذلك يضاعف الحسنات، وإن كان الحساب في الشر كان على قدره دون زيادة، كما قال تعالى : جزاء وفاقا ( ٢٦ ) ( النبأ ).
وما دام المحاسب هو الله سبحانه وتعالى، وهو لا ينتفع بما يقضيه على الخلق، فمن رحمته بنا ونعمته علينا أن حذرنا من أسباب الهلاك، ولم يأخذنا على غفلة، ولم يفاجئنا بالحساب على غرة، إنما أبان لنا التكاليف، وأوضح الحلال والحرام، وأخبرنا بيوم الحساب لنستعد له، فلا نسير في الحياة على هوانا.
فقال سبحانه : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ( ٧ ) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ( ٨ ) ( الزلزلة ) :
فمن رحمته تعالى بعباده أن وعدهم هذا الوعد، وعرفهم هذا الميزان وهم سعة في الدنيا، وإمكان تدارك الأخطاء، واستئناف التوبة والعمل الصالح، من رحمته بنا أن يعظنا هذه الموعظة ويكررها على أسماعنا ليل نهار.
إذن : ما أخذنا ربنا على غرة، ولم تفاجئنا القيامة بأهوالها، فمن الآن اعلم اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ.. ( ١ ) . ( الأنبياء ) : وما دام الأمر كذلك فعلى الإنسان أن يقدر قدر الاقتراب، ومتى سينتقل إلى يوم الحساب، ولا تظن أن عمرك هو عمر الدنيا منذ أن خلقها الله، إنما عمرك ودنياك على قدر مكثك فيها، وهو مكث مظنون غير متيقن، فمن الخلق من عمر دهرا، ومنهم من مات في بطن أمه. إذن : لا تؤجل لأنك لا تدري، أيمهلك الأجل حتى تتوب ؟ أم يعاجلك فتؤخذ بذنبك ؟
والحق سبحانه يقول : اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ.. ( ١ ) ( الأنبياء ) : مع أن الساعة مازالت بعيدة، وبيننا وبين القيامة ما لا يعلمه إلا الله. فكيف ذلك ؟
قالوا : لأن الحساب إنما يكون على الأعمال، والأعمال لها وقت هو الدنيا، فمن مات فقد انقطع عمله، واقترب حسابه ؛ لأن المدة التي يقضيها في القبر لا يشعر بها، فكأنها ساعة من نهار.
فإن قلت : من الناس من يعيش مائة عام، ومائة وخمسين عاما. نقول : هذا شيء ظني لا نضمنه، والإنسان عرضة للموت في أي لحظة لسبب أو دون سبب.
ونلحظ في قوله تعالى : اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ.. ( ١ ) ( الأنبياء ) : فقال ( للناس ) مع أن الحساب لهم وعليهم، فهل معنى ( للناس ) أي : لمصلحتهم ؟ لا يبدو ذلك ؛ لأنه قال بعدها وهم في غفلة معرضون ( ١ ) . ( الأنبياء ).
إذن : الحساب ليس في مصلحتهم إنما الحساب عليهم، إذن : كيف يكون في مثل هذا السياق اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ.. ( ١ ) ( الأنبياء ) : ما دام الأمر على الكفار ؟ كان المفروض أن يقول : اقترب على الناس حسابهم.
نقول : هذا إذا أخذت اللام للحساب، إنما اللام هنا لاقتراب، لا للحساب، أي : اقترب من الناس، إنما الحساب لهم أو عليهم، هذه مسألة أخرى.
وقوله : وهم في غفلة معرضون ( ١ ) ( الأنبياء ) : الغفلة معناها : زحزحة الشيء عن بال الواجب ألا يزحزح عنه، فكان الواجب أن يتذكره ولا يغفل عنه، والغفلة غير النسيان ؛ لأن الغفلة أن تهمل مسألة كان يجب ألا تهمل، وألا تغيب عن بالك، أما النسيان فخارج عن إرادتك.
وغفلتهم هنا عن أصل وقمة الدين، وهو الإيمان بالألوهية، فإن آمنت بالألوهية فالغفلة عن الأحكام التي جاء بها الدين، وهذه هي المعاصي، والكلام هنا عن الكافرين بدليل قوله بعدها : مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ.. ( ٢ ) ( الأنبياء ) : والغفلة عن الرب الأعلى مثلها الغفلة عن حكم الرب الأعلى، وفرق بين غفلة وغفلة.
وقد حدث النبي صلى الله عليه وسلم صحابته عن هذه الغفلة، كما روى سيدنا حذيفة بن اليمان قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين، قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر. حدثنا ( أن الأمانة نزلت في جذر٢قلوب الرجال ) والأمانة هي الإيمان الحق بالله، أي : حل الإيمان، واستقر في القلب، ونطقنا بالشهادة ( ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة ) ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال :( ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه ) أي : يغفل الغفلة ( فيظل أثرها مثل أثر الوكت )٣ الوكت : مثل سيجارة مثلا تقع على الجلد فلسعته، فيتغير لونه ( ثم ينام النومة ) أي : مرة أخرى ( فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل ) والمجل : جمرة النار ( فنفط٤ فتراه منتبرا عاليا، وليس به شيء ) أي : انتفخ ( فيصبح الناس ) أي : بعد رفع الأمانة ( يتبايعون فلا يكاد يوجد أحد منهم يؤدي الأمانة حتى يقال : إن في بني فلان رجلا أمينا ) لندرة الأمانة بين الناس.
ثم يقول الراوي :( وقد مر علي زمان ما كنت أبالي أيكم بايعت، فلئن كان مسلما ليردنه علي دينه ) يعني : إن غشني في شيء أو حدث خطأ ما في البيع ( ولئن كان يهوديا أو نصرانيا ليردنه علي ساعيه ) أي : الناس المكلفون بمراقبة الأسواق، وهم أهل الحسبة، فإن رأوا غشا منعوه، وردوا إلى صاحب الحق حقه ( وأما الآن فأنا لا أكاد أبايع منكم إلا فلانا وفلانا )٥فإن كان هذا في أيامهم فما بال أيامنا ؟
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال :( الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة )٦أي : رغم كثرتها لا تجد فيها جملا يحمل رحلك ويحملك.
وفي رواية أخرى :( تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا )٧أي : كنسيج الحصير، عودا بعد عود، حتى تتم الحصيرة، ثم يكون الران٨على القلب.
فغفلة هؤلاء غفلة عن القمة، وعن الألوهية، لا عن التكاليف، لأنهم ليسوا مؤمنين بالمكلف سبحانه.
وقوله تعالى : معرضون ( ١ ) ( الأنبياء ) : تدل على الافتعال أي : أنهم مفتعلون هذا الإعراض ؟
٢ الجذر: الأصل من كل شيء. وفي حديث حذيفة بن اليمان: نزلت الأمانة في جذر لوب الرجال، أي: في أصلها. (لسان العرب – مادة: جذر)..
٣ الوكت: الأثر اليسير في الشيء، كالنقطة من غير لونه. (اللسان – مادة: وكت)..
٤ النفطة: بثرة تخرج في اليد من العمل ملأى ماء. قال أبو زيد: إذا كان بين الجلد واللحم ماء. (اللسان – مادة: نفط)..
٥ أخرجه البخاري في صحيحه (٧٠٨٦) وكذا مسلم في صحيحه (١٤٣) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه..
٦ حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه (٦٤٩٨)، وكذا مسلم في صحيحه (٢٥٤٧) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال ابن حجر في فتح الباري (١١ / ٣٣٥): (المعنى: لا تجد في مائة إبل راحلة تصلح للركوب، لأن الذي يصلح للركوب ينبغي أن يكون وطيئا سهل الانقياد، وكذا لا تجد في مائة من الناس من يصلح للصحبة بأن يعاون رفيقه ويلين جانبه)..
٧ أخرجه أحمد في مسنده (٥ / ٣٨٦، ٤٠٥)، ومسلم في صحيحه (١٤٤) من حديث حذيفة بن اليمان، وتمامه: (فأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء)..
٨ الران والرين: هو كل ما غلبك وعلاك. والرين: سواد القلب من الذنوب. وأصل الرين: الطبع والتغطية. (لسان العرب – مادة: رين)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي