وهذا أي : القرآن الكريم، أشير إليه بهذا ؛ إيذانًا بغاية وضوح أمره، ذِكْرٌ يتذكر به من تذكر، وصفه ببعض أوصاف التوراة ؛ لموافقته له في الإنزال، ولما مرّ في صدر السورة من قوله : مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ [ الأنبيَاء : ٢ ] الخ، مباركٌ ؛ كثير الخير، غزير النفع، يتبرك به على الدوام. قال القشيري : وصْفُه بالبركة هو إخبارٌ عن ثباته، من قولهم : بَرَكَ البعيرُ، وبَرَكَ الطائرُ على الماءِ، أي : داومَ. وهذا الكتاب دائم، لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خَلْفِه، وهو دال على كلامه القديم، فلا انتهاء له، كما لا ابتداء له ولا انتهاء لكلامه. ه. أنزلناه على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو صفة ثانية للكتاب أفأنتم له منكرون ؛ استفهام توبيخي، أي : جاحدون أنه منزل من عند الله، والمعنى : أبَعْدَ أن علمتم أن شأنه كشأن التوراة، في الإنزال والإيحاء، أنتم منكرون ؛ لكونه منزلاً من عندنا ؛ فإن ذلك، بعد ملاحظة التوراة، مما لا مساغ له أصلاً. وبالله التوفيق.
الإشارة : كل ما وصف به التوراة وصف به كتابنا العزيز، قال تعالى : تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [ الفرقان : ١ ]ٍ، وقال : وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً [ النِّساء : ١٧٤ ]، وقال هنا : وهذا ذكر مبارك ، فزاده البركة ؛ لعموم خيره ودوام نفعه، وخصوصًا للمتقين الذين يخشون ربهم بالغيب : قال القشيري : والخشية بالغيب : إطراقُ السريرة في أول الحضور، باستشعار الوَجَلِ من جريان سوء الأدب، والحذَرُ من أنْ يبدوَ من الغيبِ بَغَتَات التقدير، مما يوجِبُ حجبة العبد. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي