أي : كما جاءت التوراة ذكرا.. ( ٤٨ ) ( الأنبياء ) : كذلك القرآن الذي نزل عليك يا محمد ( ذكر )، لكنه ذكر مبارك.. ( ٥٠ ) ( الأنبياء ) : يقولون : هذا شيء مبارك يعني : فيه البركة، والبركة في الشيء أن يعطي من الخير فوق ما يتوقع فيه.
كما كان النبي صلى الله عليه و وسلم يسقي صحابته من قعب١ واحد من اللبن٢، ويطعم الجيش كله من الطعام اليسير القليل٣، وتسمعهم يقولون : فلان راتبه ضئيل، ومع ذلك يعيش هو وأولاده في كذا وكذا فنقول : لأن الله يبارك له في هذا القليل.
فمعنى : ذكر مبارك.. ( ٥٠ ) ( الأنبياء ) : أي : فيه من الخير فوق ما تظنون، فإياك أن تقولوا : إنه كتاب أحكام وتكاليف فحسب، فالقرآن فيه صفة الخلود، وفيه من الأسرار ما لا ينتهي، فبركته تشمل جميع النواحي وجميع المجالات إلى أن تقوم الساعة فمهما رددنا آياته نجدها جميلة موحية معبرة. فكل عصر يأتي بجديد، لا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه فهو مبارك لأن ما فيه من الخير يتجاوز عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وكل العصور والأعمار والقرون فيعطي كل يوم سرا جديدا من أسرار قائله سبحانه.
إذن : فالقرآن : ذكر مبارك.. ( ٥٠ ) ( الأنبياء ) : لأن ما فيه من وجوه الخير سيتجاوز العصر الذي نزل فيه، ويتجاوز كل الأعمار وكل القرون، فيعطي كل يوم لونا جديدا من أسرار قائله والمتكلم به ؛ لذلك يتعجب بعدها من إنكار القوم له : أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ( ٥٠ ) ( الأنبياء ) : مثل هذا الكلام ينكر
وسبق أن أوضحنا أقوالهم في القرآن.
منهم من قال : سحر، ومنهم من قال : شعر، ومنهم من قال : كذب وأساطير الأولين، وهذا كله إفلاس في الحجة، وتصيد لا معنى له، ودليل على تضارب أفكارهم.
ألم يقولوا هم أنفسهم : لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ( ٣١ ) ( الزخرف ) : إذن : هم يعرفون صدق القرآن ومكانته، وأنه من عند الله، ولا يعترضون عليه في شيء، إنما اعتراضهم على من جاء بالقرآن، وفي هذا دليل على أنهم ليست عندهم يقظة في تغفيلهم.
وتأمل : وهذا ذكر مبارك.. ( ٥٠ ) ( الأنبياء ) : ولم يقل : هذا القرآن، كأنه لا يشار إلا إلى القرآن.
٢ أخرج البخاري في صحيحه (٤١٥٢)، والبيهقي في دلائل النبوة (٤ / ١١٥) من حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسم أتى يوم الشجرة في الحديبية بماء في تور، فوضع يده فيه، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنه العيون، قال: فشربنا ووسعنا وكفانا، فقيل لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف كفانا، كنا ألفا وخمسمائة..
٣ عن عبد الله بن عباس قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما نزل مر في صلح قريش قال أصحابي النبي: يا رسول الله لو نحرنا من ظهورنا فأكلنا من لحومها وشحومها وحسونا من المرق أصبحنا غدا إذا غدونا عليهم وبنا جمام قال: لا ولكن ائتوني بما فضل من أزوادكم. فبسطوا أنطاعا ثم صبوا عليها فضول ما فضل من أزوادهم، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالبركة، فأكلوا حتى تضلعوا شبعا، ثم لففوا فضول ما فضل من أزوادهم في جربهم، أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب اللقطة – باب استحباب خلط الأزواد إذا قلت). وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٤ / ١٢٠)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي