ومعنى البركة: ثبوت الخير النامي (١).
وروى العوفي عن ابن عباس إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قال: هي مكة ونزول إسماعيل بها (٢). والمفسرون كلهم على أنها الشام (٣).
وقوله تعالى: إِلَى الْأَرْضِ (إلى) من صلة (نجيناه) (٤) يعني (٥): نجيناه ولوطًا فخرجا إلى الأرض (٦).
٧٢ - قوله تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ يعني حين سأل ولدًا فقال: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فاستجاب الله دعاءه، ووهب له إسحاق ولدًا.
(١) انظر: (برك) في "تهذيب اللغة" للأزهري ١٠/ ٢٣٠ - ٢٣١، "الصحاح" للجوهري ٤/ ١٥٧٥، "المفردات" للراغب الأصبهاني ص ٤٤.
(٢) ذكره الثعلبي ٣/ ٣٣ أمن رواية العوفي عن ابن عباس. ورواه الطبري ١٧/ ٤٧ من طريق العوفي عن ابن عباس.
(٣) اختاره الطبري ١٧/ ٤٧، وصوبه الثعلبي ٣/ ٣٣ أ.
(٤) نجيناه: ساقط من (أ).
(٥) في (د)، (ع): (أي.
(٦) يريد المؤلف أن قوله (ونجيناه) مُضمن لمعنى أخرجناه بالنجاة، فلما ضُمن معنى أخرج تعدى (ونجيناه) بحرف الجر (إلى). ذكر هذا الوجه أبو حيان ٦/ ٣٢٩، والسمين ٨/ ١٨٠.
وذكر أبو حيان احتمالا آخر وهو أن حرف الجر (إلى) يتعلق بمحذوف في موضح الحال من الضمير في (ونجيناه) أي: ونجيناه منتهيًا إلى الأرض. ولا تضمين في (ونجيناه) على هذا القول. وانظر: "الدر المصون" ٨/ ١٨٠ - ١٨١.
وقوله تعالى: وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً النافلة: اسم على فاعله، ليس له فعل، وهو كالنفل. ومعناه: الزيادة [على الأصل] (١) (٢). ذكرنا (٣) ذلك عند قوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ [الأنفال: ١] وقوله: نَافِلَةً لَكَ [الإسراء: ٧٩].
والنافلة: ولد الولد؛ لأن الأصل كان الولد [فصار ولد الولد] (٤) زيادة على الأصل (٥).
قال ابن عباس: نَفَّله يعقوب. يريد: زيادة، زاده يعقوب من إسحاق (٦).
وهذا قول أبي بن كعب، وقتادة، وابن زيد (٧)، قالوا: سأل واحدًا فأعطاه الله يعقوب زيادة على ما سأل.
فعلى هذا النافلة يعقوب خاصة ومعناها: الزيادة على الأصل.
وقال آخرون: معنى النافلة -هاهنا- العطية، وكل عطية تبرع بها معطيها فهي نافلة.
(٢) "تهذيب اللغة" للأزهري ١٥/ ٣٥٥ (نفل) بنحوه. وانظر (نفل) في: "الصحاح" للجوهري ٥/ ١٨٣٣، "لسان العرب" لابن منظور ١١/ ٦٧١ - ٦٧٢، "بصائر ذوي التمييز" للفيروزآبادي ٥/ ١٠٩.
(٣) في (د)، (ع): (وذكرنا).
(٤) ساقط من (أ).
(٥) "تهذيب اللغة" للأزهري ١٥/ ٣٥٦ (نفل) بنصه.
(٦) ذكره الثعلي في "الكشف والبيان" ٣/ ٣٣ أعن ابن عباس. وقد رواه الطبري ١٧/ ٤٩ بمعناه عن ابن عباس من طريق العوفي.
(٧) ذكره عنهم الثعلبي ٣/ ٣٣ أ. ورواه الطبري ١٧/ ٤٨ عن قتادة وابن زيد.
وهذا مذهب مجاهد وعطاء في هذه الآية، قالا: معنى النافلة العطية، وإسحاق ويعقوب كانا جميعًا من عطاء الله تعالى (١).
وعلى هذا النافلة لا يختص بيعقوب. والأكثرون على القول الأول وهو اختيار الفراء والزَّجَّاج.
[قال الفراء: النافلة: يعقوب خاصة؛ لأنه ولد الولد (٢). ونحو هذا قال الزجاج] (٣) (٤).
وقال الأزهري في هذه الآية: وهبنا لإبراهيم إسحاق، وكان كالفرض له، ثم قال: وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً فالنافلة يعقوب خاصة؛ لأنه ولد الولد، أي: وهبناه له (٥) زيادة على الفرض له (٦).
وعلى هذا القول الحسن والضحاك (٧) والكلبي؛ لأنهم قالوا في قوله: نَافِلَةً: فضلاً.
قال الكلبي: وهو ولد الولد (٨).
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٠٧.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (د)، (ع).
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٣٩٨.
(٥) في جميع النسخ: (وهبنا له)، والتصحيح من "تهذيب اللغة" للأزهري.
(٦) "تهذيب اللغة" للأزهري ١٥/ ٣٥٦ (نفل). وبقية كلامه: وذلك أن إسحاق وهب له بدعائه، وزيد يعقوب تفضلا.
(٧) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" (٣/ ٣٣ أ) عن الحسن والضحاك.
(٨) روى عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٢٤ عن الكلبي قال: دعى بإسحاق فاستجيب له =
ويصح الوقف (١) على إسحاق في هذا القول ثم يبتدئ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً على معنى: وزدناه (٢) يعقوب نافلة.
واختار أبو جعفر النحاس (٣) القول الثاني وقال: الظاهر (٤) في العربية أن يكون الثاني معطوفًا على الأول، داخلًا فيما دخل فيه من غير إضمار فعل (٥).
قال ابن جزي الكلبي ٣/ ٦٢: واختار بعضهم الوقف على (إسحاق) لبيان المعنى، وهذا ضعيف لأنه معطوف على كل قول.
(١) في (ع): (الولد)، وهو خطأ.
(٢) في (أ): (وزيادة)، والصواب ما أثبتناه من (د)، (ع).
(٣) هو أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس، المصري، النحوي، اللغوي، المفسير، الأديب. سمع الحديث، وأخذ عن أصحاب المبرد كالزجاج وغيره. وصنف تصانيف نافعة منها "معاني القرآن"، و"إعراب القرآن"، و"الناسخ والمنسوخ". و"القطع والآئتناف" وغيرها. توفي في ذي الحجة سنة ٣٣٨ هـ. "طبقات النحويين واللغويين" ص ٢٣٩، "معجم الأدباء" ٤/ ٢٢٤ - ٢٣٠، "إنباه الرواة" ١/ ١٣٦ - ١٣٩، "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٤٠١ - ٤٠٢، "البداية والنهاية" ١١/ ٢٢٢، "بغية الوعاء" ١٥٧، "طبقات المفسرين" للداودي ١/ ٦٨ - ٧٠.
(٤) في القطع والائتناف: البين.
(٥) "القطع والائتناف" للنحاس ص ٤٧٦. واختار هذا القول ابن عطية لأنه أبين. انظر: "المحرر" ١٠/ ١٧٣. وقال عنه الرازي ٢٢/ ١٩١ إنه أقرب، لأنه تعالى جمع بينهما، ثم ذكر قوله (نافلة) فإذا صلح أن يكون وصفًا لهما فهو أولى. وقال الطبري ١٧/ ٤٨: النافلة: الفضل من الشيء يصير إلى الرجل من أي: شيء كان كذلك، وكلا ولديه إسحاق ويعقوب كان فضلاً من الله تفضل به على إبراهيم، وهبة منه له. وجائز أن يكون عني به أنه آتاهما إياه جميعًا نافلة منه له، وأن يكون بمعنى أنه آتاه نافلة يعقوب، ولا برهان يدل على أي: ذلك المراد من الكلام، فلا شيء أولى -أن يقال في ذلك- مما قال الله: ووهب الله لإبراهيم إسحاق ويعقوب نافلة.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي