ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ

فتعلى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ( ١١٦ ) :
فتعالى.. ( ١١٦ ) [ المؤمنون ] : تنزه وتقدس، وكلمة العلو تعني علو المنزلة. نقول : علا فلان على فلان، أما حين نقول : تعالى الله، فالمراد العلو الأعلى، وإن وهب علوا للغير فهو علو الداني، وعلو المتغير، بدليل أنه تعالى يعليك، وإن شاء سلبك، فالعلو ليس ذاتيا فيك.
وكلمة الملك نعرفها فيمن يملك قطعة من الأرض بمن فيها ويحكم وله رعية، ومن هذه المادة : المالك. ويطلق على أي مالك لأي شيء، ولو لم يكن لديه إلا الثوب الذي يلبسه فهو مالك، أما : الملك فهو من يملك الذين يملكون، فله ملك على المالكين، وهذا الملك لم يأخذ ملكه بذاته، إنما بإيتاء الله له.
لذلك يقول تعالى : قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء.. ( ٢٦ ) [ آل عمران ] : فلو كان ملك هؤلاء الملوك ذاتيا ما نزع منهم، ألا ترى الملك من ملوك الدنيا يقوى ويستتب له الأمر، ويكون له صولجان وبطش وفتك.. إلخ، ومع هذا كله لا يستطيع الاحتفاظ بملكه ؟ وفي لحظة ينهار هذا الملك ولو على يد جندي من جنوده، بل وربما تلفظه بلاده، ولا تقبل حتى أن يدفن بها، وتتطوع له بعض الدول، وتقبل أن توارى رفاته بأرضها، فأي ملك هذا ؟.
وهذه آية من الآيات نراها في كل عصر- وكأنها قائمة- دليلا على صدق الآية : قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء.. ( ٢٦ ) [ آل عمران ] : إذن : إن ملكك الله فاعلم أنه ملك موهوب، مهما استتب لك فلا تضمن بقاءه، لأن الله تعالى ملكك لغاية، ولا يملك الغاية إلا هو سبحانه.
لذلك كان الحق- سبحانه وتعالى- الملك الحق.. ( ١١٦ ) [ المؤمنون ] : يعني : الذي لا يزحزحه أحد عن ملكه، أو يسلبه منه، وهو الذي يتصرف في ملكه كيف يشاء لا ينازعه فيه أحد، وإن أعطى من باطن ملكه تعالى ملكا لأحد، فيظل في يده سبحانه زمام هذا الملك، إن شاء بسطه، وإن شاء سلبه ونزعه. فهو وحده الملك الحق، أما غيره فملكهم موهوب مسلوب، وإن ملك سبحانه أناسا، أمر أناس في الدنيا يأتي يوم القيامة فيقول : لمن الملك اليوم.. ( ١٦ ) [ غافر ].
وتلحظ أن كلمة تؤتي الملك.. ( ٢٦ ) [ آل عمران ] : سهلة على خلاف تنزع الملك.. ( ٢٦ ) [ آل عمران ]، ففي النزع دليل على المشقة والمعاناة، لأن صاحب الملك يحاول أن يتمسك به ويتشبث وينازع، لكن أينازع الله ؟
فقوله سبحانه : فتعالى الله الملك الحق.. ( ١١٦ ) [ المؤمنون ] : المراد : تعالى عن أن يكون خلقكم عبثا، وتعالى عن أن تشردوا من قبضته، أو تخرجوا عن نفوذه، أو تستقلوا بخلقكم عن سيطرته، وتعالى أن تفلتوا من عقابه أو تمتنعوا عنه، لأنه لا إله غيره : لا إله إلا هو رب العرش الكريم ( ١١٦ ) [ المؤمنون ].
فالحق تبارك وتعالى يحكم في إطار : قل هو الله أحد ( ١ ) الله الصمد ( ٢ ) لم يلد ولم يولد ( ٣ ) ولم يكن له كفوا أحد ( ٤ ) [ الإخلاص ] : فإذا قال لك شيئا فاعلم أنه لا إله غيره يعارضه.
والعرش : رمز لاستتباب الأمر للمالك، لأنه ينشغل بتدبير ملكه والقضاء على المناوئين له وتأديب أعدائه، فإذا ما استتب له ذلك جلس على عرشه، إذن : الجلوس على العرش يعني استقرار الأمور واستتباب أمر الملك، لذلك فإن الحق سبحانه بعد أن خلق الخلق استوى على العرش.
والعرش يفيد أيضا السيطرة والتحكم، وعرش الله عرش كريم، لأنه تعالى عليك لا ليذلك ويهينك، وإنما تعالى عليك ليعاليك إليه ويعطيك من فضله. كما سبق أن قلنا : إن من مصلحتنا أن يكون الله تعالى متكبرا، ومن عظمة الحق سبحانه أن يكون له الكبرياء، فساعة يعلم الجميع أن الكبرياء لله وحده لا يتكبر أحد على أحد.
يقول الحق سبحانه : وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ( ٣٧ ) [ الجاثية ].
لذلك يقولون في الأمثال :( اللي ملوش كبير يشتري له كبير ) يعني : ليعيش في ظله، فالحق- تبارك وتعالى- يتعالى لصالح خلقه.
ومن ذلك ما قلناه في مسألة العبودية، وأنها مكروهة ثقيلة إن كانت للبشر، لأن السيد يأخذ خير عبده، إنما هي محبوبة إن كانت لله تعالى، لأن العبودية لله يأخذ العبد خير ربه.
فإن كانت عروش الدنيا للسيطرة والتحكم في مصائر الناس وامتصاص دمائهم وأخذ خيراتهم، فعرش ربك عرش كريم، والكريم في كل شيء أشرف غاياته، اقرأ قوله تعالى : كم تركوا من جنات وعيون ( ٢٥ ) وزروع ومقام كريم ( ٢٦ ) [ الدخان ].
وحين يوصينا بالوالدين، يقول سبحانه : ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ( ٢٣ ) [ الإسراء ].
فالعرش الكريم أشرف غايات الملك، لأن الملك ليس تسلطا وقهرا، إنما هو ملك لصالح الناس، والحق- تبارك وتعالى- حينما خلق الحياة وزع فيها أسباب الفضل، ولكنه جعل فيها القوي القادر، وجعل فيها الضعيف العاجز، ثم أمر القوي أن يأخذ بيد الضعيف، وأن يعوله، فالكرم استطراق نفع القوي للضعيف، فكل خصلة من خصال الخير توصف بالكرم.
إذن : إياك أن تفهم أن عرش ربك للسيطرة والعلو والجبروت، لأنه عرش كريم.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير