فتعالى الله أن يخلق شيئاً عبثاً، وهو استعظام له تعالى ولشؤونه التي يُصَرِّف عليها عباده ؛ من البدء والإعادة، والإثابة والعقاب، بموجب الحكمة، أي : ارتفع بذاته، وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاته وصفاته وأفعاله، وعن خلو أفعاله عن الحِكَم والمصالح والغايات الحميدة.
الملك الحق ؛ الذي يحق له الملك على الإطلاق، إيجاداً وإعداماً، وإحياء وإماتة، عذاباً وإثابة، وكل ما سواه مملوك له، مقهور تحت ملكوته، لا إله إلا هو ، فإنَّ كل ما عداه عبيده، ربُّ العرش الكريم ، فكيف بما تحته من الموجودات، كائناً ما كان، ووصفه بالكرم : إمّا لأنه منه ينزل الوحي الذي منه القرآن الكريم، والخير والبركة، أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين.
وقال بعضهم : إنما أظهر الله الكون لأجل نبينا صلى الله عليه وسلم تشريفاً له، فهو من نوره. قال ابن عباس رضي الله عنه : أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام : يا عيسى ابن مريم ؛ آمن بمحمد، ومُر أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم، ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار... الحديث.
قال القشيري : حسابُه على الله في آجله، وعذابُه من الله له في عاجله، وهو ما أودعَ قلبَه حتى رَضِيَ أنْ يَعْبُدَ معه غيره، لقوله : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [ الزمر : ٣ ]، كلامٌ حاصلٌ عن غير دليل عقل، ولا شهادة خبرٍ ونقل، فما هو إلا إفك وبهتان، وقولٌ ليس يساعده برهان. هـ وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق - وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليماً، والحمد لله رب العالمين.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي