ﮝﮞﮟﮠﮡﮢ

فيكون من ابتدائية وقال الكلبي المراد بالطين آدم عليه السّلام والمعنى خلقنا جنس الإنسان من نطفة سلت من طين هو آدم عليه السّلام- اخرج عبد الرزاق وابن جرير وعبد بن حميد وابن ابى حاتم عن قتادة ان المراد بالطين آدم عليه السّلام واخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله تعالى مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ قال من منى بنى آدم قال البغوي وروى عن ابن عباس انه قال السلالة صفوة الماء وقال عكرمة هو الماء سل من الظهر والعرب تسمى النطفة سلالة.
ثُمَّ جَعَلْناهُ اى السلالة وتذكير الضمير على تأويل المسلول نُطْفَةً وجاز ان يكون الضمير راجعا الى الإنسان ونطفة منصوبا بنزع الخافض فان كان المراد بالإنسان آدم فمضاف الضمير محذوف أقيم المضاف اليه مقامه والمعنى ثم خلقنا ذلك الجنس من نطفة او خلقنا بنيه من نطفة كائنة فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) اى مقر حريز وهو الرحم والمكين في الأصل صفة للمستقر وصف به المحل مبالغة كما عبر عنه بالقرار وهو مصدر.
ثُمَّ خَلَقْنَا اى صيرنا النُّطْفَةَ البيضاء عَلَقَةً حمراء فَخَلَقْنَا صيرنا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً قطعة لحم قدر ما يمضغ فَخَلَقْنَا صيرنا الْمُضْغَةَ عِظاماً بان صلبناها فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً مما بقي من المضغة او مما أنبتنا عليها مما يصل إليها- ولحما منصوب بنزع الخافض اى كسونا العظام بلحم او هو مفعول ثان لكسونا لتضمنه معنى أعطينا يقال كسوت زيدا حلة اى أعطيته إياها قرأ الجمهور عظاما والعظام في الموضعين بلفظ الجمع لاختلافها في الهيئة والصلابة- وقرا أبو بكر وابن عامر عظما والعظم على التوحيد اكتفاء باسم الجنس عن الجمع ثُمَّ أَنْشَأْناهُ الضمير عائد الى السلالة او الى الإنسان سواء كان المراد به الجنس او آدم عليه السّلام ولا حاجة هاهنا الى تقدير المضاف خَلْقاً آخَرَ مصدر لا نشأنا من غير لفظه يعنى خلقناه خلقا اخر او مفعول ثان له بتضمينه معنى صيرنا- وجاز ان يكون بدل اشتمال للضمير المنصوب والمعنى انشأناه اى السلالة او الإنسان خلقا اخر

صفحة رقم 368

اى انشأنا خلقا اخر- قال ابن عباس ومجاهد والشعبي وعكرمة والضحاك وابو العالية هو نفخ الروح فيه- قلت لعل المراد بالروح في قولهم هو الروح السفلى المسمى بالروح الحيواني وبالنفس الّتي هى مركب للروح العلوي الّذي هو من عالم الأرواح ومقره فوق العرش في النظر الكشفى وليس هو بمكاني- والنفس هى البخار المنبعث من العناصر المصور على هيئة الجسم وهو جسم لطيف سار في الجسم الكثيف وعلى هذا يصح إرجاع ضمير انشأناه الى السلالة- بخلاف ما إذا كان المراد به الروح العلوي فانه غير ماخوذ من السلالة- وايضا كلمة ثم تدل على ذلك فان خلق الأرواح العلوية قبل خلق الأبدان فان الأبدان لم تكن موجودة حين أخذ الله الميثاق من الأرواح- واما نفخ الروح فهو صفة من صفاته تعالى قال الله تعالى وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي- وان كان تاخره من تكسية العظام صادق باعتبار تأخر تعلق الصفة القديمة- اللهم الا ان يقال المراد بالانشاء نفخ الروح لا خلق الروح والله اعلم عن ابن مسعود قال حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق ان خلق أحدكم يجمع في بطن امه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله اليه ملكا بأربع كلمات فيكتب عمله واجله ورزقه وشقى او سعيد ثم ينفخ فيه الروح- فو الّذي لا اله غيره ان أحدكم ليعمل بعمل اهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها الاذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل النار- وان أحدكم ليعمل بعمل اهل النار حتى ما يكون بينه وبينها الاذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل الجنة- متفق عليه فان قيل ورد في الحديث تحويلات خلق الإنسان بكلمة ثم وهى تدل على التراخي وفي كتاب الله بكلمة الفاء وهى للتعقيب فما وجه التطبيق بينهما- قلت ذكر رسول الله ﷺ ما بين كل تحويل أربعين يوما وذلك زمان طويل يقتضى العطف بكلمة ثم لكن الله سبحانه أورد كلمة الفاء للدلالة على ان تلك المدة الطويلة وهى أربعون يوما قصيرة جدّا نظرا الى ما يقتضى تفاوت كل طور منها الى طور اخر- واما إيراد كلمة

صفحة رقم 369

ثم في بعض المواضع وكلمة الفاء في بعضها فلتفاوت الاستحالات- الا ترى ان استحالة السلالة الى النطفة في غاية البعد- واستحالة النطفة الّتي استقرت في صلب الرجل وترائب المرأة زمانا طويلا- ثم وصلت في رحم المرأة وامتزجت هناك وبقيت في الرحم نطفة أربعين يوما- ثم تحولت الى العلقة ايضا لطول زمانه وتراخيه يقتضى العطف بكلمة ثم بخلاف التحويلات الاخر من العلقة الى المضغة ومن المضغة الى العظام والى تكسية العظام لحما فكل ذلك ليس بتلك المثابة من البعد- ولاجل ذلك أوردها بلفظة الفاء وأورد كلمة ثم في قوله ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ للتراخى في الرتبة وكمال التفاوت بين الخلقتين والله اعلم (مسئلة) هذه الاية تدل على انه من غصب بيضة فافرخت عنده ثم مات الفرخ- او أخذ من الحرم بيضة فاخرجها الى الحل ثم افرخت لزمه ضمان البيضة دون الفرخ لانه خلق اخر وفيه الروح السفلى وهو الروح الحيواني والله اعلم- وقال قتادة معنى قوله ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ نبات الأسنان والشعر وروى ابن جريج عن مجاهد انه استواء الشباب وعن الحسن قال ذكر او أنثى- وروى العوفى عن ابن عباس
ان ذلك تصريف أحواله بعد الولادة من الاستهلال الى الارتضاع الى القعود الى القيام الى المشي الى الفطام الى أن يأكل ويشرب الى ان يبلغ الحلم وينقلب في البلاد الى ما بعدها- قلت ويمكن ان يكون المراد بقوله تعالى ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ الولادة الثانية الّتي يكون للفقراء بالفناء والانخلاع من الصفات البهيمية والسبعية والبشرية الى الصفات الملكية والارتقاء منها الى الصفات الرحمانية والبقاء بذات الله تعالى او بصفاته القدسية وهذا التأويل أليق بالعطف بكلمة ثم فَتَبارَكَ اللَّهُ اى تعالى وتعظّم من ان يتخذ له شريكا او بتهاون في امتثال أوامره او الانتهاء عن مناهيه- والفاء للسببيّة فان اتصافه تعالى بما ذكر من الخلق دليل على كمال قدرته وحكمته يقتضى الحكم بكبريائه وعظمته

صفحة رقم 370

وعلو منزلته واستحالة شريكه أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٢) بدل من الله او خبر مبتدا محذوف وليس بصفة لانه نكرة وان أضيف لان المضاف اليه عوض من من التفضيليّة والتميز هاهنا محذوف تقديره احسن الخالقين خلقا فترك ذكر المميز لدلالة الخالقين عليه واحتجت المعتزلة بهذه الاية على ان العباد خالقون لافعالهم الاختياريّة حتى يتحقق التفضيل- وقد دلت البراهين العقليّة والادلة الشرعيّة على أن الافعال الاختياريّة للعباد مخلوقة لله تعالى حيث قال الله تعالى خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ- ولان الممكن الّذي لا يقتضى ذاته وجوده لا يتصور ان يقتضى ذاته وجود غيره وعليه انعقد اجماع الصحابة ومن بعدهم من علماء النصيحة- فالجواب عن استدلال المعتزلة انا لا ننكر ان للعباد في أفعالهم الاختياريّة نوعا من الارادة والاختيار وذلك الارادة والاختيار مناط التكليف ومنشأ الثواب والعقاب وموجب لاسناد الافعال إليهم ونسمّيه بالكسب- لكن ذلك الارادة والاختيار غير كافية لايجاد معدوم أصلا جوهرا كان او عرضا وانما الإيجاد بقدرة الله الكاملة وإرادته واختياره- وتعلق قدرته وإرادته واختياره بمخلوق نسمّيه خلقا وذلك كاف لايجاد كل معدوم- غير ان الله سبحانه اقتضت حكمته (وان خفيت علينا) ان يجعل لكسب العبد ايضا مدخلا في بعض أفعالهم- فنزاعنا مع المعتزلة في المعنى فانهم يقولون ان قدرة العبد وإرادته كاف لايجاد المعدوم ونحن لا نقول به ولا نزاع لنا في جواز اطلاق لفظ الخلق على كسب العبد فانه نزاع لفظى- وكلمة احسن الخالقين انما تدل على صحة اطلاق لفظ الخلق لغة على معنى الكسب والخلق المصطلحين ومن هاهنا قال مجاهد معناه يصنعون ويصنع الله والله خير الصانعين- يقال رجل خالق اى صانع وقال الله تعالى وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً وقال الله تعالى حكاية عن عيسى أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ- وقيل معنى الخالقين هاهنا المصورين او المقدرين والخلق في اللغة التقدير وقبل

صفحة رقم 371

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري

تحقيق

غلام نبي تونسي

الناشر مكتبة الرشدية - الباكستان
سنة النشر 1412
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية