ثم قال الحق سبحانه :
وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ( ٣٣ ) :
تكلمنا عن معنى الملأ.. ( ٣٣ ) [ المؤمنون ] : وهم عين الأعيان وأصحاب السلطة والنفوذ في القوم، والذين يضايقهم المنهج الإيماني، ويقضي على مكانتهم، ويقف في وجه طغيانهم وسيطرتهم واستضعافهم للخلق.
وقال الملأ من قومه الذين كفروا.. ( ٣٣ ) [ المؤمنون ] : تماما كما حدث مع سابقيهم من قوم نوح وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا.. ( ٣٣ ) [ المؤمنون ] : مادة : ترف مثل فرح، نقول : ترف الرجل يترف إذا تنعم، فإذا زدت عليها الهمزة ( أترف ) نقول : أترفته النعمة، أترفه الله، يعني : كانت النعمة سبب طغيان، ووسع الله عليه في النعمة ليتسع في الطغيان.
وفي هذا المعنى ورد قوله تعالى : فلما نسوا ما ذكروا به.. ( ٤٤ ) [ الأنعام ] : يعني من منهج الحق فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون١ ( ٤٤ ) [ الأنعام ].
ذلك، ليكون الأخذ أقوى وأعنف وأبلغ في الإيلام والحسرة، وسبق أن ذكرنا تشبيها أضحك الحاضرين كثيرا، ولله تعالى- المثل الأعلى- قلنا : إن الله تعالى إذا أراد أن يوقع معاندا لا يوقعه من فوق الحصيرة، إنما يوقعه من فوق كرسي عال ومكانة رفيعة، ليكون ( الهدر ) أقوى وأشد.
فإن أخذ الإنسان العادي الذي لا يملك ما يتحسر عليه من مال أو جاه أو منصب، فالأمر هين، أما حين يرقيه ويعلي منزلته ويترفه في النعيم، ثم يأخذه على هذه الحال فلا شك أنه أخذ عزيز مقتدر، وهذا أشد وأنكى.
إذن : أترفناهم يعني : وسعنا عليهم وأمددناهم بالنعم المختلفة ليزدادوا في كفرهم وطغيانهم، على حد قوله تعالى : فذرهم في غمرتهم٢ حتى حين ( ٥٤ ) أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ( ٥٥ ) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ( ٥٦ ) [ المؤمنون ].
إن الله تعالى يمد لهؤلاء في وسائل الغي والانحراف ليزدادوا منها، ويتعمقوا في آثامها لنتعمق نحن في عذابهم والانتقام منهم.
ثم يحكي القرآن عنهم هذه المقولة التي سارت على ألسنتهم جميعا في كل الرسالات : ما هذا إلا بشر مثلكم.. ( ٣٣ ) [ المؤمنون ] : وكأن هذه الكلمة أصبحت لازمة من لوازم المكذبين للرسل المعاندين لمنهج الله، ثم يؤكدون على بشرية الرسول فيقولون : يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ( ٣٣ ) [ المؤمنون ]، ألم يقل كفار مكة لرسول الله ( ص ) : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.. ( ٧ ) [ الفرقان ].
سبحان الله، كأنهم يتكلمون بلسان واحد مع اختلاف الأمم وتباعد الأزمان، لكن كما يقولون : الكفر ملة واحدة.
٢ - أي: في غيهم وضلالهم. قاله ابن كثير في تفسيره (٣/٢٤٧) قال القرطبي في تفسيره (٦/٤٦٦٤): "الغمرة في اللغة ما يغمرك ويعلوك، وأصله الستر. والغمر: الماء الكثير لأنه يغطي الأرض. والمراد هنا: الحيرة والغفلة والضلالة"..
تفسير الشعراوي
الشعراوي