في الآيات :
١- إشارة تنديدية إلى ما صار إليه الناس : فقد تفرقوا واختلفوا وتعددت كتبهم وأهواؤهم وفرقهم واعتد كل فريق بما هو عليه وظنه الحق.
٢- وأمر للنبي بأن لا يبالي بذلك، وأن يدع من لا يريد الارعواء مرتكسا في غفلته وجهالته إلى الحين الذي يعلمه الله.
٣- وسؤال تنديدي عما إذا كان هؤلاء يطنون أن ما يتمتعون به من كثرة المال والولد هو اختصاص تكريمي لهم من الله بإغداق نعمه وخيراته.
٤- واستدراك تبكيتي بأنهم مخطئون في هذا الظن وأنهم لا يعرفون حقيقة الأمر.
ولقد ورد في آيات أخرى أن الله تعالى يملي للكفار بما يمدهم به من مال وبنين ليستدرجهم وليكون لهم فتنة واختبارا وأن كيده متين جاء في آية سورة القلم [ ٤٣-٤٤ ] وسورة الأعراف [ ١٨٢-١٨٣ ] وسورة طه ( ١٣١ ) التي مر تفسيرها ؛ حيث يتبادر أن في هذه الآيات توضيحا لما احتواه الاستدراك التبكيتي في جملة بل لا يشعرون ٥٦ في الآية الأخيرة.
والآيات معقبة على ما قبلها أيضا. والضمير الغائب راجع إلى المنحرفين عن الأمة أو الطريقة الواحدة التي شرعها الله للناس بواسطة أنبيائه وإلى الكفار برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأن كفرهم هو انحراف عن تلك الملة. وفيها تنديد لاذع بهم لانحرافهم عن ملة الحق التي جاء بها رسل الله ثم رسوله الأخير خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم ولظنهم الظنون الباطلة في تعليل ما هم فيه من قوة ومال.
والأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بترك الكفار في غمرتهم تعبير أسلوبي تكرر في القرآن بمعناه. ولا يعني طبعا ترك إنذارهم كما قلنا في المناسبات السابقة. والراجح أنه ينطوي على تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عن عناد الكفار ومكابرتهم واستغراقهم في ضلالهم.
وفي الآيات صورة لما كان من مباهاة الكفار بأموالهم وأولادهم واعتدادهم بذلك وحسبانهم إياه دليلا على عناية الله بهم وادعائهم بأنهم على حق بما هم عليه. ولقد حكت ذلك عنهم آيات عديدة مرت أمثلة منها مما يدل على أنهم كانوا يسوقونه من حين إلى آخر في معرض الجدل والممارة.
ولقد أورد ابن كثير على هامش هذه الآيات حديثا رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم. وإن الله يعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفس محمد بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قبله ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه. قالوا : وما بوائقه يا رسول الله ؟ قال غشمُه وظلمه، ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن إن الخبيث لا يمحو الخبيث ).
وفي الحديث الرائع صورة من صور الوعظ والتنبيه النبوي متساوقة مع التلقين الجليل الذي انطوى في الآيات وبخاصة في بيان كون ما تيسر للإنسان من مال في الدنيا ليس دليلا على رضاء الله عنه وحظوته لديه إذا كان الإنسان منحرفا عن طريق الله الحق.
التفسير الحديث
دروزة