(بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ)، أي بالأمر الثابت الذي لَا يتطرق إليه الريب، (وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) جعل وصفهم بالكذب المستمر مقابلا للحق الذي جاءهم اللَّه تعالى به؛ لأن الكذب إذا مردت عليه النفس فسدت، وصارت لَا تفرق بين باطل وحق، إذ تكون نفسه غير مؤمنة، لأن الإيمان تصديق دماذعان، فلابد من الصدق لكي يكون الإيمان، ولقد قال النبي - ﷺ -: " إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند اللَّه كذابا " (١).
ولقد ذكر النبي - ﷺ - أن الإيمان والكذب نقيضان لَا يجتمعان، فقد سئل أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: يكون، أو يكون المؤمن جبانا؟، قال: نعم يكون، وسئل: أيكون المؤمن كذابا؟ قال: لَا يكون المؤمن كذابا " (٢).
ولذا كان حقا أن يقابل الحق الذي يجيء به اللَّه تعالى ويتأكد كذبهم، وقد أكد اللَّه تعالى بـ " أن " المؤكدة، وباللام، وبالوصف، بأنهم من شأنهم الكذب، وبالجملة الاسمية.
________
(١) سبق تخريجه.
(٢) نْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا؟ فَقَالَ: «نَعَمْ»، فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلًا؟ فَقَالَ: «نَعَمْ»، فَقِيلَ لَهُ: «أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّابًا»؟ فَقَالَ: «لَا».. رواه مالك في الموطأ - الجامع (١٥٧١).
ولا يفتح القلب للأوهام، ووسوسة الشيطان إلا أن يمرد على الكذب؛ لأن الكذب يخفت صوت الحق والبرهان والعقل، ولقد نفى اللَّه تعالى من بعد ذلك أوهامهم، فقال:
صفحة رقم 5112زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة