وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون ( ٩٥ ) :
أي : أننا قادرون على أن نريك شيئا مما وعدناهم به من العذاب، لكنه ليس عذاب الاستئصال، لأن الله تعالى أكرم أمتك- حتى الكافر منها- بأن عافاها من هذا العذاب، لأنه يأتي على الكافرين فلا يبقي منهم أحدا، ويمنع أن يكون من ذريتهم مؤمن بالله. فهب أن عذاب الاستئصال نزل بهم في بدر مثلا، أكنا نرى المؤمنين منهم ومن ذرياتهم بعد بدر ؟.
إذن : لا يكون عذاب الاستئصال إلا إذا علم الله تعالى أنه لا فائدة منهم، ولا حتى من ذريتهم من بعدهم، كما حدث مع قوم نوح، ألا ترى نوحا عليه السلام يقول عنهم : إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ( ٢٧ ) [ نوح ].
ولا يمكن أن يقول نوح هذا الكلام، أو يحكم على قومه هذا الحكم إلا بوحي من الله، لأنه لا يستطيع أن يحكم على هذه القضية الكونية التي لا يعلمها إلا المكون الأعلى سبحانه، فنحن نرى عتاة الكفر ورؤوس الضلال، ثم يؤمنون بعد ذلك كلهم ويبلون في الإسلام بلاء حسنا.
وانظر إلى عكرمة وخالد وعمرو بن العاص، وكم تألم المؤمنون وحزنوا لأنهم أفلتوا من القتل، لكن لله تعالى تدبير آخر، وكأنه يدخرهم لخدمة الإسلام وحماية الدعوة.
فعكرمة بن أبي جهل يظهر شجاعة نادرة في موقعة اليرموك حتى يطعن طعنة الموت، ويستند إلى عمر ويقول وهو يجود بروحه في سبيل الله : أهذه ميتة ترضي عني الله ورسوله ؟.
هذا في يوم الخندمة١ الذي قال فيه الشاعر٢ :
إنك لو شاهدت يوم الخندمه
إذ فر صفوان وفر عكرمه
ولحقتنا بالسيوف المسلمه
يفلقن كل ساعد وجمجمه
ضربا فلا تسمع إلا غمغمه
لهم نهيت٣ حوله وحمحمه
لم تنطقي باللوم أدنى كلمه٤
أما عمرو بن العاص وخالد بن الوليد فقد كان من أمرهما ما نعرف جميعا.
٢ - جاء في لسان العرب: أن هذا الرجز نسبه ابن السيد البطليوسي في المثلث للراعش الهذلي، وذكر ابن بري أنه حماس بن قيس بن خالد الكناني. وقيل: إن هذا الرجز لهريم ابن الحطيم..
٣ - النهيت: الصياح. وقيل: هو الصوت من الصدر عند المشقة. [لسان العرب- مادة: نهت]..
٤ - أورد ابن منظور هذه الأبيات في [لسان العرب- مادة: خندم] من قول الراعش الهذلي لامرأته وكانت لامته على انهزامه فقال هذه الأبيات. وكان قد قال قبل ذلك:
إن يقبلوا اليوم فما بي علة
هذا سلاح كامل وأله
وذو غرارين سريع السله.
تفسير الشعراوي
الشعراوي