الْأَصْنَامَ)، وإن كان وعد لهم العصمة عن ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥)
هذا أيضًا يحتمل وجهين:
أحدهما: يخبر رسوله أنه ليس لعجز يؤخر ما وعد لهم من العذاب؛ ولكن لحلم منه وعفو، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ): على التنبيه والإيقاظ؛ فعلى ذلك يحتمل هذا.
والثاني: يعزي رسول اللَّه ويصبره على أذاهم إياه، يقول: إني مع قدرتي على إنزال العذاب عليهم والانتقام منهم أحلم عنهم وأؤخر عنهم؛ فأنت مع ضعفك عن ذلك أولى أن تصبر على أذاهم، وعلى هذا يخرج قوله: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ (٩٦) أي: لا تكافئهم لأذاهم إياك، ولا تشغل بهم بمجازاة ذلك أوادفع، بأحسن من ذلك وكِلْ مكافأتهم إليَّ حتى أنا أكافئهم.
(نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ) من الكذب والأذى الذي يؤذونك.
والثاني: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ)، أي: ادفع سيئاتهم المتقدمة بإحسان يكون منك إليهم؛ ليكونوا لك أولياء وإخوانا في حادث الأوقات، وهو كقوله: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).
وقوله: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) وقال في آية أخرى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ)، علم رسوله وأمره أن يتعوذ به من الشيطان الرجيم اللعين إذا نزغه - ونزغه: وسوسته - وأمره أيضًا أن يتعوذ من همزه، وهو: همه وقصده بذلك، وأمره أن يتعوذ بحضورهم مكان الوسوسة؛ حتى يدفع عنهم ولا يحضرون ذلك المكان، وكأن التعوذ عن نزغهم؛ ليدفع عنه؛ لئلا يؤثروا في نفسه بعد ما حضروه ووسوسوه.
والتعوذ عن همزهم: هو أن يدفع عنه طعنهم ونخسهم؛ لئلا يشغلوه بالذي قصدوه به، والتعوذ عن حضورهم مكان الوسوسة.
قال الحسن: همز الشيطان: الموتة، والموتة: غشيان القلب، روي في الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يتعوذ من الشيطان الرجيم، قال: " في همزه، ونفخه، ونفثه ".
وقَالَ بَعْضُهُمْ: همزاته ونزغاته: واحد.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ همزات الشياطين: نخسها وطعنها، ومنه قيل للعائب: هُمَزة؛ كأنه يطعن ويعيب.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: همزات الشياطين: وساوسهم، يقال: همز يهمز همزًا، أي: وسوس، ومن وجه آخر: همز يهمز همزا، أي: عاب يعيب، ومنه قوله: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ).
ثم في قوله: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ) إلى آخر ما ذكر وجهان على المعتزلة:
أحدهما: أنه أمر رسوله أن يتعوذ به مما ذكر؛ فدل أن عنده لطفا لم يعطه: ما لو أعطاه اللَّه لدفع به ما ذكر وأنه مالكٌ لذلك؛ إذ لو كان غيره مالكًا لذلك يخرج السؤال به مخرج الهزء به؛ إذ من طلب من آخر شيئا يعلم أنه ليس عنده ذلك خرج ذلك الطلب مخرج الهزء به؛ فعلى ذلك هذا.
والثاني: أن كل مأمور بالتعوذ جعل اللَّه له الإعاذة مما يتعوذ منه.
فالوجهان جميعًا ينقضان على المعتزلة في قولهم: إن اللَّه قد أعطى كلا الأصلح في الدِّين، وأعطى كلا العصمة عن كل زيغ وضلال.
* * *
قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١) قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم