ادفع بالتي هي أحسنُ السيئةَ أي : ادفع الخصلة السيئة بالخصلة التي هي أحسن، وهو الصفح عنها والإحسان في مقابلتها، لكن بحيث لا يؤدي إلى وَهَنٍ في الدين وإهانةٍ له. وقيل : السيئة : الشرك، والتي هي أحسن : كلمة التوحيد، وقيل : السيئة : المنكر، والتي هي أحسن : النهي عنه، وقيل : هي منسوخة بآية السيف، وقيل : محكمة ؛ إذ المداراة مأمور بها. قال ابن عطية : أمر بمكارم الأخلاق، وما كان منها بهذا المعنى، فهو محكم باق في الأمة أبداً، وما كان بمعنى المواعدة فمنسوخ بآية القتال. ه.
وهذا التركيب أبلغ من " ادفع بالحسنة السيئة " ؛ لما فيه من التنصيص على التفضيل، وتقديم الجار والمجرور على المفعول ؛ للاهتمام. نحن أعلم بما يصفون من الشرك والولد، أو بما يصفك به، مما أنت على خلافه، من السحر وغيره، فسنجازيهم عليه، وفيه وعيد لهم، وتسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، وإرشاد له إلى تفويض أمره إليه تعالى والاكتفاء بعلمه.
ولأجل هذا المعنى شد أهل اليقظة الحُزُم، وشمروا عن ذراعهم في طاعة مولاهم، وعمروا أوقاتهم بما يقربهم إلى محبوبهم، وتنافسوا في ذلك أيَّ تنافس، وفي ذلك يقول القائل :
وكان بعض العباد حفر قبراً في بيته، فإذا صلى العشاء دخل فيه، وقرأ : قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً... الآية، فيقول لنفسه : ستطلبين الرجعة ولا تُمكنين منها، وأنت اليوم متمكنة من الرجوع، قومي إلى خدمة مولاك، قبل أن يحال بينك وبينها، فيبيت قائماً يُصلي. وهكذا شأن أهل اليقظة ؛ يُقدمون الندم والجد قبل فوات إبَّانِهِ. أعاننا الله على اغتنام طاعته، وما يقربنا إلى حضرته. آمين. السِّباقَ، السِّباقَ، قولاً وفِعْلاً حَذِّرِ النَّفْس حَسْرَة المسْبُوقِ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي