ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون ( ٩٦ ) :
ادفع.. ( ٩٦ ) [ المؤمنون ] : تدل على المدافعة يعني : أمامك خصم يهاجمك، يريد أن يؤذيك، وعليك أن تدفعه عنك، لكن دفع بالتي هي أحسن أي : بالطريقة أو الحال التي هي أحسن، فإن أخذك بالشدة فقابله باللين، فهذه هي الطريقة التي تجمع الناس على دعوتك وتؤلفهم من حولك.
كما جاء في قوله تعالى : ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك.. ( ١٥٩ ) [ آل عمران ].
فإن أردت أن تعطفهم نحوك فادفع بالتي هي أحسن، ومن ذلك الموقف الذي حدث من رسول الله يوم الفتح، يوم أن مكنه ربه من رقاب أعدائه، ووقف أمامهم يقول : يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا : خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال : " اذهبوا فأنتم الطلقاء " ١.
ونلحظ أنهم كلموه بما يستميل قلبه ويعطفه نحوهم، وذكروه بأواصر القرابة والرحم، وحدثوه بما يحنن قلبه، ولقنوه ما ينتفعون هم به : أخ كريم وابن أخ كريم، ولم يقولوا مثلا : أنت قائد منتصر تستطيع أن تفعل بنا ما تشاء.
وفعلا كان من هؤلاء ومن ذرياتهم نصراء للإسلام وأعوان لدعوة رسول الله ( ص ).
وقصة فضالة٢ الذي كان يبغض رسول الله، حتى قال قبل الفتح : والله ما أحد أبغض إلي من محمد، وقد زاد غيظه من رسول الله حينما رآه يدخل مكة ويحطم الأصنام، فأراد أن يشق الصفوف إليه ليقتله، وبعدها قال : " فوالله، ما وضعت يدي عليه حتى كان أحب خلق الله إلي " ٣.
لكن ماذا ندفع ؟ ندفع ( السيئة ). ونلحظ هنا أن ربنا- تبارك وتعالى- يدعونا أن ندفع السيئة بالتي هي أحسن، لا بالحسن، لأن السيئة يقابلها الحسنة، إنما ربك يريد أن يرتقي بك في هذا المجال، فيقول لك : ادفع السيئة بالأحسن.
وفي موضع آخر يعطينا ثمرة هذا التصرف الإيماني : فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ( ٣٤ ) [ فصلت ] : ولو تأملت معنى هذه الآية لوجدت أن المجازاة من الله، وليست ممن عاملته هذه المعاملة، لأن الله تعالى يقول : كأنه.. ( ٣٤ ) [ فصلت ] : ولم يقل : يصبح لك وليا حميما.
ذلك لأنك حين تدفع بالتي هي أحسن يخجل منك صاحبك، ويندم على إساءته لك، ويحاول أن يعوضك عنها فيما بعد، وألا يعود إلى مثلها مرة أخرى، لكنه مع كل هذا لا يسمى وليا حميما، إنما هو ولي وحميم، لأنه كان سببا في أن يأخذك ربك إلى جانبه، ويتولاك ويدافع عنك.
لذلك لما شتم أحدهم الحسن البصري وسبه في أحد المجالس، وكان في وقت رطب البلح أرسل الحسن إليه طبقا من الرطب وقال لخادمه : اذهب به إلى فلان وقل له : لم يجد سيدي أثمن من هذا يهديه إليك، وقد بلغه أنك أهديت إليه حسناتك بالأمس، وهي بلا شك أعظم من هديتي تلك٤.
إذن : من الغباء أن نتناول الآخرين بالهمز واللمز والطعن والغيبة، فإنك بهذا الفعل كأنك أهديت لعدوك حسناتك، وأعطيت أعظم ما تملك لأبغض الناس إليك.
ألا ترى موقف الأب حين يقسو على ولده، فيستسلم له الولد ويخضع، أو يظلمه أخوه فيتحمل ظلمه ولا يقابله بالمثل، ساعتها يحنو الأب على ولده، ويزداد عطفا عليه، ويحرص على ترضيته، كذلك يعامل الحق- تبارك وتعالى- العباد فيما بينهم من معاملات- ولله المثل الأعلى. لذلك قلنا : لو علم الظالم ما أعده الله للمظلوم من الجزاء لضن عليه بالظلم، لأنه سيظلمه من ناحية، ويرضيه الله من ناحية أخرى.
ويقال : إنه كان عند أحد الملوك رجل ينفس فيه الملك عن نفسه، فإن غضب استدعى هذا الرجل وراح يشتم فيه ويسبه أمام الناس حتى يهدأ، فإذا أراد أن ينصرف الرجل أخذه على انفراد وأعطاه كيسا من المال، وفي أحد الأيام احتاج هذا الرجل إلى مال ليقضي أمرا عنده، فحاول أن يتمحك ليصل إلى الملك، ثم قال له : ألست في حاجة لأن تشتمني اليوم ؟.
فمسألتنا بهذا الشكل، إذن : ما عليك إلا أن تدفع بالتي هي أحسن، فإن صادفت من صاحبك مودة وصفاء، وإلا فجزاء الله لك أوسع، وعطاؤه أعظم، وما أجمل قول الشاعر٥ حين عبر عن هذا المعنى :
يا من تضايقه الفعال من التي ومن الذي
ادفع فديتك بالتي حتى ترى فإذا الذي
يعني : إن أردت الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، فاعمل بالتي هي أحسن.
ثم يقول سبحانه : نحن أعلم بما يصفون ( ٩٦ ) [ المؤمنون ] : معناه : أنت يا محمد تأخذ بحقك من هؤلاء إذا كنا نحن لا نعرف ما يفعلونه بك، لكن الحال أننا نعرفه جيدا ونحصيه عليهم، وقد أعددنا لهم الجزاء المناسب، فدع هذه المسألة لنا ولا تشغل نفسك بها.
وكأن الحق- تبارك وتعالى- يريد أن ينزه ذات رسوله ( ص ) من انفعالات الغضب، وألا ينشغل حتى بمجرد الانفعال، لأنه حين يتعرض لك شخص بسيئة تريد أن تجمع نفسك لترد عليه، وخصوصا إذا كان هذا الرد مخالفا لطبعك الحسن وخلقك الجميل، فكأنه يكلفك شيئا فوق طاقتك.
فالله تعالى يريد أن يرحم نبيه وأن يريحه : دعك منهم، وفوض أمرهم إلينا، فنحن أعلم بما يصفون أي : بما يكذبون في حقك.
٢ - هو: فضالة بن عمير بن الملوح الليثي (الإصابة ت ٦٩٨٨)..
٣ - ذكر ابن عبد البر في كتاب الدرر في السير له أن النبي (ص) مر به يوم الفتح وهو عازم على الفتك به فقال له: ما كنت تحدث به نفسك؟ قال: لا شيء كنت أذكر الله تعالى. فضحك رسول الله (ص) وقال: أستغفر الله لك. ثم وضع يده على صدره. قال: فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما أجد على ظهر الأرض أحب إلي منه. ذكره ابن حجر العسقلاني في الإصابة (ترجمة ٦٩٨٨)..
٤ - ذكره أبو حامد الغزالي (٣/١٥٤) أن رجلا قال للحسن: إن فلانا قد اغتابك فبعث إليه رطبا على طبق وقال: قد بلغني أنك أهديت إلي من حسناتك، فأردت أن أكافئك عليها فاعذرني فإني لا أقدر أن أكافئك على التمام..
٥ - الشيخ رحمه الله وعفا عنه..
تفسير الشعراوي
الشعراوي