قوله تعالى : إن الذين يرمون المحصنات الغافلات.... إلى قوله تعالى : يوم تشهد .
اختلفت في هذه الآية. فقيل نزلت في شأن عائشة خاصة هذا الحكم إنما كان لها خاصة دون سائر النساء المؤمنات المحصنات ١ وقال جماعة ٢ بل ذلك لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم دون سائر المؤمنين. واختلف الذين ذهبوا إلى هذا هل لمن قذف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ٣ توبة أم لا. فذهب ابن عباس إلى أنه لا تقبل له توبة وتأول عليه ظاهر الآية. ورأى الآية الأخرى : والذين يرمون المحصنات.... إلى قوله إلا الذين تابوا في سائر القاذفين. ورأى غيره أن التوبة مقبولة والدليل على ذلك معاتبة الله تعالى من قطع المنفعة عمن كان ينفق عليه من أجل الإفك. وقال قوم إنها في عائشة إلا أن المراد بها كل من كان بالصفة التي وصف الله تعالى فيها، فهي عامة في كل محصنة لم تقارب سوءا ٤ وقال بعض من ذهب إلى هذا القول أن الآية نزلت أولا في القاذفين ثم نزلت بعد الآية التي في صدر السورة التي فيها التوبة ٥. وهذا القول أظهر في الآية من سائر الأقوال. فتحمل على عمومها في وجوب العذاب العظيم واللعنة في الدنيا والآخرة في كل من قذف محصنة إلا أن يتوب، فإن الله تعالى يقبل توبته على ما ورد في آية أخرى. وكما لم تقصر الآية في وجوب الجلد على أصحاب الإفك كذلك لا تقصر الثانية فيما تضمنت من الوعيد على من قذف عائشة أو سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. والمعروفون من أهل الإفك مسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ٦ وجلدا الحد، وعبد الله بن أبي علي من ذكر بعضهم. واختلف في حسان فقيل كان منهم وجلد الحد وقيل لم يكن منهم ولا جلد الحد. واختلف في الذي عني منهم بقوله تعالى : والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم [ النور : ١١ ] فقيل عبد الله بن أبي وهو المشهور، وقيل حسان. والأخبار في هؤلاء كثيرة وليس هذا الكتاب بموضع لذلك.
٢ منهم ابن عباس والضحاك. قاله ابن عطية في المحرر الوجيز ١١/ ٢٨٧..
٣ "دون سائر المؤمنين.... إلى: وسلم" كلام ساقط في (ح)..
٤ في (ح): "شرا"..
٥ راجع نحو ذلك في المحرر الوجيز ١١/ ٢٨٧، وفي الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٠٩..
٦ حمنة بنت جحش الأسدية أخت أم المؤمنين زينب. كانت زوج مصعب بن عمير ثم تزوجها طلحة بن عبيد الله. شهدت أحدا وكانت تسقي العطشى وتداوي الجرحى. انظر الإصابة ٤/ ٢٩٩..
أحكام القرآن
ابن الفرس