ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢ

إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات قد مرّ تفسير المحصنات، وذكرنا الإجماع على أن حكم المحصنين من الرجال حكم المحصنات من النساء في حدّ القذف.
وقد اختلف في هذه الآية هل هي خاصة أو عامة ؟ فقال سعيد بن جبير : هي خاصة فيمن رمى عائشة رضي الله عنها. وقال مقاتل : هي خاصة بعبد الله بن أبيّ رأس المنافقين. وقال الضحاك، والكلبي : هذه الآية هي في عائشة وسائر أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم دون سائر المؤمنين والمؤمنات، فمن قذف إحدى أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم، فهو من أهل هذه الآية. قال الضحاك : ومن أحكام هذه الآية : أنه لا توبة لمن رمى إحدى أزواجه صلى الله عليه وسلم، ومن قذف غيرهنّ فقد جعل الله له التوبة كما تقدّم في قوله : إِلاَّ الذين تَابُواْ [ النور : ٥ ]. وقيل : إن هذه الآية خاصة بمن أصرّ على القذف ولم يتب، وقيل : إنها تعم كلّ قاذف ومقذوف من المحصنات والمحصنين، واختاره النحاس، وهو : الموافق لما قرّره أهل الأصول من أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقيل : إنها خاصة بمشركي مكة ؛ لأنهم كانوا يقولون للمرأة إذا خرجت مهاجرة : إنما خرجت لتفجر. قال أهل العلم : إن كان المراد بهذه الآية المؤمنون من القذفة، فالمراد باللعنة الإبعاد، وضرب الحدّ، وهجر سائر المؤمنين لهم، وزوالهم عن رتبة العدالة، والبعد عن الثناء الحسن على ألسنة المؤمنين، وإن كان المراد بها من قذف عائشة خاصة كانت هذه الأمور في جانب عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين، وإن كانت في مشركي مكة فإنهم ملعونون فِي الدنيا والآخرة وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، والمراد بالغافلات اللاتي غفلن عن الفاحشة بحيث لا تخطر ببالهنّ، ولا يفطنّ لها، وفي ذلك من الدلالة على كمال النزاهة وطهارة الجيب ما لم يكن في المحصنات، وقيل : هنّ السليمات الصدور النقيات القلوب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَلاَ يَأْتَلِ الآية، يقول : لا يقسموا أن لا ينفعوا أحداً. وأخرج ابن المنذر، عن عائشة قالت : كان مسطح بن أثاثة ممن تولى كبره من أهل الإفك، وكان قريباً لأبي بكر، وكان في عياله، فحلف أبو بكر : ألا ينيله خيراً أبداً، فأنزل الله وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة الآية، قالت : فأعاده أبو بكر إلى عياله، وقال : لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها إلاّ تحللتها، وأتيت الذي هو خير. وقد روي هذا من طرق عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن ابن عباس في الآية قال : كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رموا عائشة بالقبيح وأفشوا ذلك، وتكلموا فيها، فأقسم ناس من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر أن لا يتصدّقوا على رجل تكلم بشيء من هذا، ولا يصلوه، فقال : لا يقسم أولوا الفضل منكم والسعة أن يصلوا أرحامهم، وأن يعطوهم من أموالهم كالذي كانوا يفعلون قبل ذلك، فأمر الله أن يغفر لهم، وأن يعفى عنهم. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه في قوله إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات الآية، قال : نزلت في عائشة خاصة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه عنه أيضاً في الآية قال : هذه في عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجعل لمن فعل ذلك توبة، وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم التوبة، ثم قرأ : والذين يَرْمُونَ المحصنات إلى قوله : إِلاَّ الذين تَابُواْ . وأخرج أبو يعلى، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن أبي سعيد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«إذا كان يوم القيامة عرّف الكافر بعمله فجحد وخاصم، فيقال : هؤلاء جيرانك يشهدون عليك فيقول : كذبوا، فيقال : أهلك وعشيرتك، فيقول : كذبوا، فيقال : احلفوا فيحلفون، ثم يصمتهم الله، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم، ثم يدخلهم النار». وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من طريق جماعة من الصحابة ما يتضمن شهادة الجوارح على العصاة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله سبحانه : يَوْمَئِذٍ يُوَفّيهِمُ الله دِينَهُمُ الحق قال : حسابهم، وكلّ شيء في القرآن فهو الحساب. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه " أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ : يومئذٍ يوفيهم الله الحقّ دينهم ". وأخرج ابن جرير، والطبراني، وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله الخبيثات قال : من الكلام لِلْخَبِيثِينَ قال : من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلام والطيبات من الكلام لِلطَّيّبِينَ من الناس والطيبون من الناس للطيبات من الكلام، نزلت في الذين قالوا في زوجة النبيّ صلى الله عليه وسلم ما قالوا من البهتان. وأخرج عبد الرزاق والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، والطبراني، عن قتادة نحوه أيضاً، وكذا روي عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن زيد في الآية قال : نزلت في عائشة حين رماها المنافقون بالبهتان، والفرية، فبرّأها الله من ذلك، وكان عبد الله بن أبيّ هو الخبيث، فكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة، ويكون لها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم طيباً، فكان أولى أن تكون له الطيبة، وكانت عائشة الطيبة، وكانت أولى بأن يكون لها الطيب، وفي قوله : أولئك مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ قال : هاهنا برئت عائشة. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت : لقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة وعند طيب، ولقد وعدت مغفرة وأجراً عظيماً.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية