ثم أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم بطاعة الله ورسوله، فقال : قُلْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول طاعة ظاهرة، وباطنة بخلوص اعتقاد وصحة نية، وهذا التكرير منه تعالى لتأكيد وجوب الطاعة عليهم، فإن قوله : قُل لاَّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ في حكم الأمر بالطاعة، وقيل إنهما مختلفان، فالأوّل نهي بطريق الردّ والتوبيخ، والثاني أمر بطريق التكليف لهم، والإيجاب عليهم فَإِن تَوَلَّوْاْ خطاب للمأمورين، وأصله فإن تتولوا، فحذف إحدى التاءين تخفيفاً، وفيه رجوع من الخطاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخطاب لهم لتأكيد الأمر عليهم، والمبالغة في العناية بهدايتهم إلى الطاعة، والانقياد، وجواب الشرط قوله : فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ أي فاعلموا أنما على النبي صلى الله عليه وسلم ما حمل مما أمر به من التبليغ وقد فعل، وعليكم ما حملتم : أي ما أمرتم به من الطاعة، وهو وعيد لهم، كأنه قال لهم : فإن توليتم فقد صرتم حاملين للحمل الثقيل وَإِن تُطِيعُوهُ فيما أمركم به ونهاكم عنه تَهْتَدُواْ إلى الحق، وترشدوا إلى الخير، وتفوزوا بالأجر، وجملة وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين مقرّرة لما قبلها، واللام إما للعهد، فيراد بالرسول نبينا صلى الله عليه وسلم، وإما للجنس، فيراد كل رسول، والبلاغ المبين : التبليغ الواضح أو الموضح. قيل يجوز أن يكون قوله : فَإِن تَوَلَّوْاْ ماضياً، وتكون الواو لضمير الغائبين، وتكون هذه الجملة الشرطية مما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم، ويكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، والأوّل أرجح. ويؤيده الخطاب في قوله وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ ، وفي قوله وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ ، ويؤيده أيضاً قراءة البزي فإن تولوا بتشديد التاء، وإن كانت ضعيفة لما فيها من الجمع بين ساكنين.
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال : أتى قوم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله لو أمرتنا أن نخرج من أموالنا لخرجنا، فأنزل الله : وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في الآية قال : ذلك في شأن الجهاد، قال : يأمرهم أن لا يحلفوا على شيء طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ قال : أمرهم أن يكون منهم طاعة معروفة للنبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يقسموا. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد : طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ يقول : قد عرفت طاعتهم أي : إنكم تكذبون به.
وأخرج مسلم، والترمذي، وغيرهما، عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن أبيه قال : قدم زيد بن أسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : أرأيت إن كان علينا أمراء يأخذون منا الحق، ولا يعطونا ؟ قال :«فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم» وأخرج ابن جرير، وابن قانع، والطبراني عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن سلمة بن يزيد الجعفي قال : قلت : يا رسول، فذكر نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن الزبير عن جابر أنه سأل : إن كان عليّ إمام فاجر، فلقيت معه أهل ضلالة أقاتل أم لا ؟ قال :«قاتل أهل الضلالة أينما وجدتهم، وعلى الإمام ما حمل وعليكم ما حملتم». وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن البراء في قوله وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ مِنْكُمْ الآية. قال : فينا نزلت، ونحن في خوف شديد. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحواً من عشر سنين يدعون إلى الله وحده، وعبادته وحده لا شريك له سرًّا، وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال، حتى أمروا بالهجرة إلى المدينة، فقدموا المدينة، فأمرهم الله بالقتال، وكانوا بها خائفين يمسون في السلاح، ويصبحون في السلاح، فغبروا بذلك ما شاء الله، ثم إن رجلاً من أصحابه قال : يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا ؟ ما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع فيه السلاح ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لن تغبروا إلاّ يسيراً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليست فيهم حديدة»، فأنزل الله : وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأرض إلى آخر الآية، فأظهر الله نبيه صلى الله عليه وسلم على جزيرة العرب، فأمنوا ووضعوا السلاح. ثم إن الله قبض نبيه، فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا وكفروا النعمة، فأدخل الله عليهم الخوف الذي كان رفع عنهم، واتخذوا الحجر والشرط، وغيروا فغير ما بهم. وأخرج ابن المنذر والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل والضياء في المختارة عن أبيّ بن كعب. قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحد، فكانوا لا يبيتون إلاّ في السلاح، ولا يصبحون إلاّ فيه، فقالوا : أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلاّ الله، فنزلت : وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات الآية. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس : يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً قال : لا يخافون أحداً غيري. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد مثله، قال : وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك فأولئك هُمُ الفاسقون العاصون. وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية قال : كفر بهذه النعمة، ليس الكفر بالله. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مُعْجِزِينَ فِي الأرض قال : سابقين في الأرض.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني