١١ - ثم أضرب سبحانه عن توبيخهم بما حكاه عنهم، من الكلام الذي لا يصدر عن العقلاء، فقال: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ؛ أي (١): بالقيامة والحشر والنشر. والساعة جزء من أجزاء الزمان، ويعبر بها عن القيامة تشبيهًا بذلك، لسرعة حسابه. كما قال: وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ أو لما نبه عليه قوله تعالى: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ كما في "المفردات" وهو إضراب عن توبيخهم، بحكاية جنايتهم السابقة، وانتقال منه.
والمعنى: أي (٢) ما أنكر هؤلاء المشركون ما جئتهم به من الحق، وتقولوا عليك ما تقولوا، إلا من قبل أنهم لا يوقنون بالبعث، ولا يصدقون بالثواب والعقاب.
والخلاصة: أنهم أتوا بأعجب من هذا كله، وهو تكذيبهم بالساعة، ومن ثم فهم لا ينتفعون بالدلائل، ولا يتأملون فيها. ثم توعدهم وبين عاقبة أمرهم وما كتب لمثلهم من الخيبة والخذلان. فقال: وَأَعْتَدْنَا؛ أي: هيأنا وأحضرنا. وأصله أعددنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ؛ أي: بالبعث والحشر والنشر والحساب والجزاء. وضع (٣) الظاهر موضع ضميرها للمبالغة في التشنيع.
سَعِيرًا؛ أي: نارًا عظيمة شديدة الاشتعال تسعر وتتقد عليهم. قال بعضهم: سعير الآخرة، إنما سعرت من سعير الدنيا وهي حرص العبد على الدنيا، وملاذها
١٢ - إِذَا رَأَتْهُمْ صفة للسعير؛ أي: إذا (٤) كانت تلك السعير بمرأىً منهم، وقابلتهم بحيث صاروا بإزائها، كقولهم داري تنظر دارك؛ أي: تقابلها، فأطلق الملزوم، وهو الرؤية وأريد اللازم، وهو كون الشيء بحيث يرى، والانتقال من الملزوم إلى اللازم مجاز.
والمعنى: إذا قابلتهم تلك السعير، أو المعنى: إذا رأتهم رؤية حقيقية بعينها، كما جاء في حديث: "أن لها عينين" ولا مانع منه. اهـ. "شيخنا".
(٢) المراغي.
(٣) روح البيان.
(٤) روح البيان.
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الهرري الشافعي
هاشم محمد علي مهدي