أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون يسمعون ما تقول سماع طالب الإفهام، أو يعقلون ما يعاينون من الحجج والأعلام. و «أم » هنا منقطعة بعنى : بل. إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام في عدم انتفاعهم بالكلام، وعدم تدبرهم، وتفكرهم، بل هم أضل سبيلاً لأن البهائم تهتدي لمراعيها ومشاربها، وتَنْقَاد لأربابها التي تتعهدها، ( وتطلب ما ينفعها، وتجتنب ما يضرها، وقلوب الأنعام خالية عن العلم، وعن الاعتقاد الفاسد، وهؤلاء قلوبهم خالية عن العلم ومليئة من الاعتقاد والباطل، وعدم علم الأنعام لا يضر بأحد، وجهل هؤلاء منشأ للضرر العظيم، لأنهم يصدون الناس عن سبيل الله، والبهائم لا تستحق عقاباً على عدم العلم، وهؤلاء يستحقون على عدم العلم أعظم العقاب )١، وهؤلاء الكفار لا يعرفون طريق الحق ولا يطيعون ربهم الذي خلقهم ورزقهم، ولأن الأنعام تسجد وتسبح الله، وهؤلاء الكفار لا يفعلون٢ فإن قيل : لم قال : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ فحكم بذلك على الأكثر دون الكل ؟ فالجواب : لأنه كان فيهم من يعرف الله ويعقل الحق إلا أنه ترك الإسلام لحبّ الرياسة لا للجهل٣. فإن قيل : إنه تعالى لما نفى عنهم السمع والعقل فكيف ذمهم على الإعراض عن الدين، وكيف بعث الرسول إليهم، فإن٤ من شرط التكليف العقل ؟ فالجواب : ليس المراد أنهم لا يعقلون بل المراد أنهم لم ينتفعوا بذلك العقل، فهو كقول الرجل لغيره إذا لم يفهم : إنما أنت أعمى وأصم٥.
٢ انظر الفخر الرازي ٢٤/٨٦ – ٨٧..
٣ انظر الفخر الرازي ٢٤/٨٦..
٤ في ب: وإن..
٥ انظر الفخر الرازي ٢٤/٨٧..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود