إني وجدتُ امرأةَ تملكهم ؛ هو استئناف لبيان ما جاء به من النبأ، وتفسير له إثر الإجمال. وهي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان. وكان أبوها ملك أرض اليمن كلها، ورث الملك من أربعين أباً. وقيل : كان أبوها - اسمه الهدهاد - ملكاً عظيم الشأن، ملك أرض اليمن كلها، وأبى أن يتزوج منهم، فزوجوه امرأة من الجن، يقال لها " ريحانة " فولدت له بلقيس، ولم يكن له ولد غيرها.
قال أبو هريرة : قال النبي صلى الله عليه وسلم :" كان أحد أبوي بلقيس جنياً١ " فمات أبوها، فاختلف قومه فرقتين، وملّكوا أمرهم رجلاً قائماً بسيرته، حتى فجَر بحرم رعيته، فأدركت بلقيس الغيرة، فعرضت عليه نفسها، فتزوجته، فسقته الخمر، فسكر، فجزت رأسه، ونصبته على باب دارها فملكوها.
وأُوتِيَتْ من كل شيءٍ تحتاج إليه الملوك، من العدة والآلة، ولها عرشٌ عظيم : كبير، قيل : كان ثلاثين ذراعاً في ثلاثين عرضاً، وقيل : كان ثمانين ذراعاً في ثمانين، وطوله في الهواء : ثمانون. وكان من ذهب وفضة، مرصعاً بأنواع الجواهر، وقوائمه من ياقوت أحمر وأخضر، ودرّ، وزبرجد، وعليه سبعة أبيات، في كل بيت باب مغلق. واستصغر الهدهد حالها إلى حال سليمان، فلذلك عظّم عرشها. وقد أخفى الله تعالى ذلك على سليمان ؛ لحكمة، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب، ليتحقق ضعف العبودية في جانب علم الربوبية.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي