الفصل السادس
الآية التاسعة :
" إني وجدت امرأة تملكهم، وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم "
( سورة النمل – الآية : ٢٣ )
الألفاظ والتراكيب :
( وجدت ) : أصبت ( المرأة ) : هي بلقيس بإجماع المفسرين والمؤرخين.
( تملكهم ) : تتولى أمرهم ملكة عليهم، وعبر بالمضارع تصويرا للحال العجيب وهو أن تتولى ملكهم امرأة.
وعاد الضمير على سبأ جمع مذكر على معنى القوم، إذ كانوا يسمون باسم أبيهم، فذكر لفظ سبأ أولا بمعنى المدينة١ وأعيد عليه الضمير بمعنى القوم على أسلوب الاستخدام.
( من كل شيء ) : لفظ عام أريد به كل ما تحتاج إليه، من أشياء الملك والسلطان والقوة والعمران.
( عرش ) : وهو سرير الملك الذي تجلس عليه ( عظيم ) : في كبره وقوته وحسنه.
المعنى :
يقول الهدهد لسليمان – عليه الصلاة والسلام – مبينا الخبر العظيم الذي جاء به :
إني وجدت أولئك القوم الذين يسكنون تلك المدينة، قد جعلوا امرأة ملكة عليهم، وقد أعطيت تلك الملكة كل ما تحتاج إليه في نظام ملكها وعظمته، ومن مظاهر تلك العظمة السرير العظيم الذي تجلس عليه بين أهل مملكتها.
عظمة المملكة العربية اليمنية :
كانت بلقيس ملكة على اليمن، في منتصف القرن العاشر قبل الميلاد.
وقد كانت ملكة عظيمة على مملكة عظيمة راقية.
والهدهد الذي شاهد ملك سليمان وعظمته، قد استعظم ملكها وعرشها، وعظمة العرش عنوان عظمة الملك ؛ فلهذا خصصه الهدهد بالذكر، ورغب سليمان في الإتيان به.
تفوق العرب على الإسرائيليين :
كل ذلك الرقي وتلك العظمة بلغتها المملكة العربية اليمنية بنفسها، من تفكيرها وعملها من قرون بعيدة.
فأما الإسرائيليون – وهم إذ ذاك في القرن الخامس من تاريخهم- فإنهم لم يبلغوا في ذلك العهد إلى شيء من ذلك.
وما كان من بناءات ومنشآت فهو مما صنعته له الجن والشياطين، كما جاء في آيات من القرآن عديدة٢.
ولم يترك بنوا إسرائيل من الآثار ما يدل على شيء ذي بال من الفن والقوة.
فأما ما تركته اليمن فهو شيء كثير قائم مشاهد والاكتشافات مازالت تظهر منه شيئا فشيئا٣.
ولاية المرأة الملك :
ثبت عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم – أنه قال :
" لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة ".
قاله لما بلغه أن الفرس ملكوا عليهم امرأة ؛ فاقتضى هذا ألا تلي المرأة ولاية ولا إمارة، ولا قضاء.
وأيدت هذا النص الصحيح السنة العملية، فأخذ به جمهور أئمة الإسلام، وجاءت روايات عليلة عن بعضهم، لم يلتفت إليها، ولم يعمل بها.
تعليل :
لا تصلح المرأة للولاية.
من ناحية خلقتها النفسية، فقد أعطيت من الرقة والعطف والرأفة ما أضعف فيها الحزم والصرامة اللازمين للولاية.
وفي اشتغالها بالولاية إخلال بوظيفتها الطبيعية الاجتماعية التي لا يقوم مقامها فيها سواها وهي القيام على مملكة البيت، وتدبير شؤونه، وحفظ النسل، بالاعتناء بالحمل والولادة وتربية الأولاد.
دفع اعتراض :
في تواريخ الأمم نساء تولين الملك، ومن المشهورات في الأمم الإسلامية : شجرة الدر في العصر الأيوبي، ومنهن من قضت آخر حياتها في الملك، وازدهر ملك قومها في عهدها.
فما معنى نفي الفلاح عمن ولوا أمرهم امرأة ؟
هذا اعتراض بأمر واقع، ولكنه لا يرد علينا.
لأن الفلاح المنفي هو الفلاح في لسان الشرع، وهو تحصيل خير الدنيا والآخرة، ولا يلزم من ازدهار الملك أن يكون القوم في مرضاة الله، ومن لم يكن في طاعة الله فليس من المفلحين، ولو كان في أحسن حال فيما يبدو من أمر دنياه.
على أن أكثر من ولوا أمرهم امرأة من الأمم إذا قابلهم مثلهم، كانت عاقبتهم أن يغلبوا٤.
٢ كقوله تعالى: " والشياطين كل بناء وغواص. وآخرين مقرنين في الاصفاد "، وكقوله تعالى :" ومن الشياطين من يغوصون له، ويعملون عملا دون ذلك، وكنا لهم حافظين".
.
٣ كان الإمام رحمه الله حفيا بالعرب، مشيدا بمجدهم الغابر، ومجدهم الزاهر، وما من مناسبة إلا ويذكر ذلك، مذكرا لنا بما كان لأسلافنا من سؤدد، ومهيبا بنا أن نبني كما شاؤا، وأن نصنع فوق ما صنعوا، لا كما صنعوا. و سيأتي في آخر هذا التفسير محاضرة ضافية للإمام عن العرب ومجدهم وحضاراتهم في القرآن الكريم..
٤ لم يكن بن باديس ضد المرأة، بل كان داعيا لتعلمها وتثقيفها، وحث أصحابه ومريديه في قسطنطينة على إرسال بناتهم إلى معهده لطلب العلم، ثم دعا جمعية العلماء إلى تعميم ذلك في كافة التراب الوطني، ومنهن اليوم أمهات فضيليات، وأستاذات ماهرات في تعليم العربية والدين في الجزائر اليوم. ومنهن أدبيات ماهرات، بل ومن يعترضن الشعر كما شاهدت. ومن النساء الأميات ما تروى الحديث بسنده، كما سبقه عن ابن باديس. وحينما شرح بن باديس موطأ مالك، جمعنا من شرحه في " باب عناية الإسلام بالمرأة " الشيء الكثير، وضح فيه بن باديس رأي الإسلام في المرأة. وذكر ما لها وما عليها في الدنيا والآخرة. فراجعه في كتاب " من هدى النبوة " جمعنا وتصنيفنا ص ١٣١ حى ص ١٦٥..
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي